رحـّــــال

الأربعاء، نوفمبر 26، 2008

ذكريات

 رســـــمـلاي بـمـبـــي



بومباي. مومباي، أو بمبي كما يحلو للخليجيين تسميتها.. العاصمة القديمة العتيقة للهند.. الأرض التي لاتنام.. الأرض الذي تمتزج فيها الألوان والموسيقى والبهارات الصاخبة بمعاناة الفقراء ومن هم آفقر من الفقر نفسه، الذين يفترشون الطرقات والأرصفة البائسة بيتاً لهم.. وفي نفس الوقت تناطح فيها العمارات الشاهقة وأموال الأغنياء الطائلة أعالي السماء.. وتشترك فيها المتناقضات تلكَ كلها في عشق أفلام بوليود وأبطالها وأغانيها، ويحمل فيها كل شابٍ وشابةٍ حلم أن يكونوا يوماً ما إمّا أبطالاً في بوليود أو واقعاً يجسد ما يُـمثل فيها..


* * *

مطعم دلهي دربار.. في منطقة كولابا بالقرب من الساحل التجاري في بمبي.. مطعمٌ يرتاده الكثير من العرب يومياً.. وتكثر في زوايا طاولاته تواقيع الأقلام العربية.. وبالرغم من أنه في كل سنةٍ تُجدد الطاولات وتُصبغ، إلا أنه حين يرتحل لها العرب في الصيف التالي، يعاودون الكرّة مرةً بعد أخرى في التواقيع تلك.. فتجد في زاوية إحدى الطاولات مثلاً التوقيع التالي: (أبو البراري.. وصلاوي بطل الكاس والدوري).. وعلى تلك الطاولة بالتحديد كنت أنا وعمّار نتغدى يوماً حين كنا في الثالثة عشر ربيعاً.. نظر عمار إليَّ مُخفياً ابتسامةً في عينيه قبل فمه ثم رفع حاجبيه بشكلٍ متتالٍ قائلاً : (عطني شعرة من راسك!)

عمار وما أدراك من هو عمار!
هو أصغر أعضاء شلة أيام الطفولة.. هو أكثرهم شغباً و"شطانةً" وفُكاهةً منذ الصغر.. وهو الذي لم تمل المشاكل في ملاحقته يوماً، وإن في يومٍ تعبت أو انكفأت المشاكل بدأ هو بملاحقتها! نَظرتُ إليهِ وإلى بريقِ صلعته، الصلعة التي كانت جزاءً له وعقاب على إحدى سواد فعله وفعاله مباشرةً قبل سفرنا إلى بمبي، وكان أبوه قد حذره حينها بأن العقاب القادم سيكون الحبس في "سجن الفيارين".. وسجن الفيارين هو غرفة في ملحق الخدم في بيتهم.. غرفةً تحولت بمرور السنين إلى مخزنٍ لكل ما هو غير مرغوب وعفّت النفس عن إلقائه في القمامة! التفتُّ يُمنةً ويُسرى داعياً في قرارة نفسي بأن من حولنا من الخليجيين والعوائل التي تعرفنا لن تنتبه لما سيشتد من النقاش ويحتد.. همست بصوتٍ به تذكرةً ووعيد: (شعرة من راسي؟! عيب عليك.. نحن في مطعم محترم.. وهل نسيت سجن الفيارين؟)

أشاح هو بوجهه بدلاً من أن يبدأ معي -كعادته- في جدلٍ وجدال ونقاشٍ يطولُ ولا يُطال، ثم بدأ بتناول وجبته الدسمة بعجلة ولم ينطق بحرفٍ ولم ينظر إلي.. وحين أنهى وجبته طلب من الجرسون أن يحضر له قائمة الحلويات، واختار منها "رسملاي".. كل هذا دون أن ينظر إلي كما لو كنت غير موجودً معه أصلاً.. وطيلة الدقائق التي انتظر فيها الـ"رسملاي" كانت قدماه ترتد على الأرض وتضربها بسرعةٍ ووتيرةٍ تزداد حيناً وتتناقص حيناً آخر حتى جاء الجرسون بطلبه.. هنا وجه عمار عينيه نحوي راسماً فيهما ابتسامةً هي أشد خُبثاً ومكراً من تلك الأولى التي سبقت طلبه للشعرة، ثم رفع أحد حاجبيه بشكلٍ درامي وسألني بلهجة الواثقين العارفين وهو ينفخ صدره في زهوٍ وخيلاء: (غيرت رايك؟ أم لا زلت مُصراً بآنك لن تعطيني شعرة من راسك؟)

تباطأت سرعة مضغي للقمة البرياني وحركت رأسي يُمنةً ويُسرى نافياً تغيير رأيي ومُعلناً عن إصراري على تماسكي وتمسكي بموقفي الذي به سننجو من خطط وأفكار المجنون الذي يجلس أمامي.. أما هو فقد بدأ حاجباه يرتفعان بشكلٍ متتالي وهو يقول: (صحيح بآن رأسي ليس به شعرةً واحدة ولكن...) هنا مدة يده إلى تحت الطاولة مُكملاً جملته بنغمةٍ موسيقية غريبة: (...تناننغ تنااان...) وهنا رجعت يداه من تحت الطاولة وبها شعرةً يتيمة وهو يكمل: (..ولكن عندي شعر كثير كثير جداً جداً في رجلي!) وأتبعها بحركة خاطفة ألقى بها الشعرة في طبق الـ"رسملاي" ووضع ملعقته فيها ثم صرخ بصوتٍ عالٍ عال: (ذِس إس أنإكسيبتابل.. وين مدير المطعم؟ شو هالوصاخة!!).. جاء الجرسون الطويل النحيف راكِضاً راجفاً مرتجفاً نحو الطاولة ساحباً معه أعين رواد المطعم العرب كلهم بلا استثناء وكأنهم بانتظار حدثٍ ما ليتركوا ما بيدهم و"يتطمشون عليه"!

بوصول الجرسون إلى الطاولة وبرؤيته للشعرة في الطبق زاد صوت عمار حدةً وارتفاعا.. وكلما ارتفع صوته وتوبيخه للجرسون الذي يكاد أن يبكي، زاد انكماشي في مقعدي وتهمّش وجودي أكثر وأكثر.. ثم جاء المدير القصير السمين بقده وقديده مُوبخاً الجرسون وطالباً من جرسون آخر بأن يتحرى من هو الطباخ الذي حضّر الـ"رسملاي".. ولم يقتصر الموقف على مراقبة العيون كلها لنا بل قام البعض وتبرع فُضولاً ليقترب أكثر وأكثر ويكوّن جماعةً من الذين تجمهروا حولنا.. واختلط الحابل بالنابل، وفي غمرة الأحداث تلك تدخل أحد المتجمهرين.. كان لابساً الثوب والغترة والعقال.. قال لي: (أعتقد نحن ساكنين معاكم في نفس الفندق.. ألستم أبناء فلان وفلان؟).. وافضيحتاه.. وامصيبتاه.. لقد طفح الكيل.. هنا أخرجت مبلغاً قد يكون أكثر قيمةً بكثير مما طلبناه ووضعته بيد الجرسون الذي اغرورقت عينيه بالدموع وطلبت من المدير أن يسامحه، وأخذت بيد عمار لأجرجره لخارج المطعم وبوصولي للباب سمعت أحد المتجمهرين "المتطمشين" يهتف: (أصيل.. ولد أصايل.. هذا من طيب أصلكم) وتبعه تصفيق وتصفير من البعض وهمهمات استنكار من آخرين.. وفور خروجنا من المطعم أوقفت أول سيارة أُجرة ودفعت عمار بداخلها دفعاً وطلبت من السائق بأن "يدوس" ويسرع بنا إلى الفندق.. كل ذلك وسط تحرطم عمار وسخطه واستنكاره على حرامني إياه من إكمال مسرحيته المجنونة!



***

مر اسبوع كامل على حادثة أو "طماشة" الشعرة.. وطيلة هذا الاسبوع لم نتكلم أنا وعمار عن تلك الحادثة أبداً.. كانت نظراتي له كافية في أكثر من موقعٍ وموقف لردعه عن التمادي في شيطنته وشطانته، فهو كان يعرف تمام المعرفة بأنني لن أتردد -إن تمادى هو- عن إخبار أبوه ببلوته الجديدة وما سيعقب ذلك حتماً من عقاب سجن الفيارين.. اسبوع كامل وأنا الآمر الناهي أينما ذهبنا وسنذهب.. اسبوعٌ بطوله وعرضه وأنا استمتع باليد العليا والسيطرة!! سحبته معي صاغراً طائعاً إلى كل مكانٍ كان يرفض الذهاب إليه.. فبعد برياني دلهي دربار صرنا نأكل الكلوب ساندويتش وبعده الفالودة في فندق تاج محل القديم، وبعد أن كنا نتسوق في محلات فندق الأوبروي أضحينا نتسوق في سكيك و"زواريب" كولابا الشعبية، ولم ندخل أي فلم هندي طيلة هذا الاسبوع أبداً أبدا..

***

يومٌ واحد كان يفصل بيننا وبين عودتنا إلى دبي.. وكان من المفترض آن نذهب آنا وعمار مع آبي وآبيه لتأكيد الحجوزات، وفي آخر لحظة قررا أن يذهبا لوحدهما ويتركانا مع "الحريم" لأن أخت عمار الصغيرة أرادت أن تأكل "رسملاي" في مطعم دلهي دربار.. حاولنا أنا وعمار إقناعها أن تعدل عن رأيها وتختار فالودة فندق تاج محل أو على الأقل أن نطلب نحن الـ "رسملاي" ونأتي به إلى الفندق، إلا أن جهودنا تلك ذهبت كلها أدراج الرياح حين جاء فصل القرار من أم عمار وأيدتها في ذلك أمي.. سنذهب جميعاً في "طلعة عائلية" أنا وأمي وعمار وأمه وأخته إلى مطعم دلهي دربار.. إلى حيث وقعت الواقعة..

ما إن دخلنا المطعم ألا وجاء المدير ليصافحنا أنا وعمار وهو يرسم ابتسامةً يرافقها هز الرأس المعهود قائلاً : (هيلو.. هيلو.. ويلكم.. ويلكم سير تو يور ريستورانت).. وأعقب المدير ذلك بتوجيه نظرة قاسية للجرسون الطويل النحيف ذاتهُ ذاته!! ركض الجرسون نحو إحدى الطاولات ليرتبها ويحضرها.. كل ذلك وسط دهشة أم عمار وأمي واستغرابهما لهذه الحفاوة الزائدة في الاستقبال.. قالت أم عماربعد جلوسنا على الطاولة: (ماشالله ماشالله عليكم صرتوا رياييل كبار تعرفون تتعاملون مع الناس وتخلونهم يحترمونكم)، رد عمار على أمه: (لازم لازم.. تربيتج أمي.. مدير المطعم علاقتي معه أنا بالذات ممتازة جداً جداً!).. فما كان مني إلا أن ركلت رجله من تحت الطاولة ووجهت له نظرة وعيد تذكره بسجن الفيارين، فقال مُردفاً: (وطبعاً حسن أيضاً علاقته بالمدير وأيضاً صاحب المطعم ممتازة ممتازة جداً!)

مرت الدقائق والثواني ببطءٍ شديد وأنا أتحاشي النظر إلى أيٍ من رواد المطعم خصوصاً أني عند دخولنا المطعم كنت قد لمحت أحد الذين تجمهروا وتحمسوا كثيراً حين وقعت واقعة الشعرة.. مرت تلك الدقائق والثواني وكل شيء على ما يرام.. وبعد تناول الوجبة الرئيسية جاء دور الحلويات، ودور الـ "رسملاي" الذي لأجله ولأجل أخت عمار جئنا هنا.. طلبت أخت عمار الرس ملاي وحدها ولم يطلب أياً منا أية حلويات.. وربما بسبب الزحمة وكثرة رواد المطعم في تلك الساعة تأخر الطلب حتى وصل.. وتهللت أسارير أخت عمار فرحاً بوصول مناها.. وبدأت تلتهم الـ "رسملاي" التهاماً سريعاً.. في تلك اللحظة أحسست بأن مدير المطعم ومن حواليه في الاستقبال، والجرسون النحيل المسكين، وكثيراً كثير ممن تجمهروا في حادثة الشعرة، كلهم يراقبونا.. ولم أفق من عمق إحساسي ذلك إلا على صرخة: (ماماااا!).. التفتُ إلى أخت عمار، وإذا بها مرعوبةٌ تُشير لشعرةٍ سوداء متربعة في وسط الـ"رسملاي" وهي تقول: (أخيييج.. شعر!).. خيل لي أن الجميع في المطعم سمعها وقد تركوا كل ما بيدهم ليتطمشوا ويتأهبوا ليكونوا أول المتجمهرين إذا ما ارتفع الصوت واختلط الحابل بالنابل كما في المرة السابقة..

ركلني عمار من تحت الطاولة وعلى وجهه علامات التمسكن والتذلل قائلاً بتعابير وجهه بأنه بريءٌ ولا دخل له ولا علم له من أين أتت هذه الشعرة! أما أمه فقد نظرت إلينا أنا وعمار باعتزاز قائلةً بلهجةٍ كلها ثقة: (أنا أبا أشوف عيالي الرياييل كيف يتصرفون، يجب على المدير على أقل تقدير أن يعتذر وأن يأتي بطبق رسملاي آخر غير هذا الوصخ!!).. حلّت غيمةُ صمتٍ كثيفة على الطاولة وأنا وعمار كُلٌ يُبحلق في وجه الآخر.. قالت أمي بعد ثوانٍ باستغراب: (ولماذا الصمت الآن؟ ألستم رياييل يُعتمد عليكم؟).. قلت متهرباً :(عمار علاقته مع المدير أحسن).. ركلني عمار من تحت الطاولة مردفاً: (صحيح.. صحيح.. علاقتي معه أحسن، ولكن المشكلة إنه حسن سوّى مشكلة ووضعنا في موقف حرج جداً جداً آخر مرة..).. لم أستطع هنا كتم ما كتمته لاسبوع كامل، فقاطعته منفجراً في كلماتي وسردت لهم كل ما حدث بالتفاصيل المملة، وعمار بين فترةٍ وأخرى يقاطعني تارةً وينكر بعض التفاصيل تارةً أخرى، وكلما ازداد هو في نفيه واستنكاره، كلما أضفت أنا للقصة بهارات ودراميات أكثر وأكثر!!

علت الدهشة وجه أمي وأمه وهم يراقبون ما يحصل.. وفي خضم معركة سرد التفاصيل قاطعتني أمي بلهجةٍ محتدة: (خلاص.. خلاص.. لا أريد سماع المزيد).. أما أم عمار أخذت تهدئ ابنتها التي ألحت على أن نطلب "رسملاي" آخر.. قال عمار لأمه وهو ينكمش في مقعده بصوتٍ يكادُ أن يختفي: (أعتقد بآننا تأخرنا وأبي قد رجع الفندق.. المسامح كريم.. لننسى الشعرة ولنطلب رسملاي آخر وما بنفتحه ولا بناكله إلا في الفندق!!).. نَظَرَت أمهُ لأمي وكلاهما يهُزُّ رأسه يمنةً يُسري غير مصدقين ما يحصل.. قات أمه وهي تنظر إليه وقد اتسعت عيناها غضباً: (انزين يا عمار.. اطلبلنا رسملاي ناخذه الفندق وهالمرة ما راح اخبر آبوك، بس لا تعيدها، وياويلك إن عدتها، والله يعينني عليك والله يساعدني ويكون في عوني على شيطانك!!)



***

مرت الأيام والسنين وتزوج عمار، وفي إحدى زياراتي له سألت ابنه حمد ذو الست سنوات مازحاً إن كان يؤذي و"يطفر" أبواه.. هز رأسه مستنكراً وقال: (لا.. لا أصلاً ما أقدر.. مرة حطيت شعر في أكل إختي فأبوي عصّب وقال إنه بيحطيني في سجن الفيارين إذا سويتها مرة ثانية!!)





السبت، أغسطس 16، 2008

قصة قصيرة

ســكيك الـعـســـــــــبـج




كنّا من أواخر الناس الذين هجروا فريج العسبج مودعين حارةً احتضنت ذات يومٍ أقدامنا الحافية إذ كانت تجري خلف الكرة أو "القبة" كما كان يسميها الشوّاب.. حارةً تحولت تدريجياً من بيوتٍ متناثرةً هنا وهناك إلى مقرٍ لبعض الخياييط الذين كانت تتحول محلاتهم في أيام ما قبل العيد لما يشبه مقصف المدرسة في وقت الفسحة، حيث تجتمع الحريم الغاضبات والناقمات والنادمات على اختيار هذا الخياط، فمنهم من لم تجهز ملابسها و منهم من أخطأ الخياط في مقياسها ومنهم من خِيطت
!ملابسها على مقاسٍ صحيح ولكن هو مقياس ما قبل الموائد والحلويات الرمضانية

وجرّت محلات الخياطة إلى العسبج معها وبعدها رويداً رويدا دكاكين أخرى تبعتها بنايات ومن ثم عماراتٍ أطول بكثير جداً عن ما كانت "القبة" تصل إليه من ارتفاع في أقوى شوتات (فيصلو) الذي كان يتباهى بقوة شوتاته!! وحل محل تراب العسبج الذي غاصت فيه أقدامنا اسمنت وطابوق وحديد، وصارت تسكن البيوت القليلة الباقية المندثرة تحت ظلال البنايات مختلف الجنسيات والألوان والأعراق، ولم يظل من السكان الأصليين للحارة إلا عوائل تعد على أصابع اليد الواحدة

هجرنا العسبج، وهجرنا زحمة الطرقات الجديدة، وانتقلنا إلى ما كان يعتبر في حينها أقصى المدينة.. انتقلنا لمنطقة الصفا.. كنت أشدنا فرحاً للانتقال.. ولم يكن الانتقال بعينه هو سبب فرحتي.. بل كان سبب فرحتي هو أن بيت صديق الطفولة (عبيد) أو (عبّود) كما كنا نسميه، أن بيتهم كان ملاصقاً لبيتنا الجديد.. كانوا هم أول من هجر العسبج، وتبع ذلك تحوله لمدرسةٍ هي أقرب لمنطقته الجديدة.. وعلى الرغم من ذلك.. على الرغم من بعد المسافات حينها واختلاف المدارس ظلت زياراتنا موصولةٌ متبادلة

كنت دائماً أنظر لبيت (عبود) وعائلته كمثلاً أعلى في كل شيء.. فبيتهم أيام العسبج وبعده في الصفا كان دائماً يُضرب به المثل في الأخلاق والأدب والتدين والعلم والورع.. كنت أنبهر في أيام الخميس حين كنت أتعشى معهم احياناً، فمائدة الطعام الزاهية الألوان موزّعٌ عليها كل شيءٍ بقدرٍ ومقياس.. وبعد عودتي لبيتنا كنت دائماً أطلب من أمي أن نبدأ في اليوم التالي بتناول العشاء على الطاولة بدلاً من "قعدة الأرض"و "الضرب بالخمس".. كانت تضحك كثيراً وتقول بأن لكلٍ عاداته وتقاليده

بانتقالنا لمنطقة الصفا، وبانتقالي للمدرسة الجديدة، وكوني في نفس صف (عبود)، زادت علاقتنا وصداقتنا ترابطاً.. وكما كان دائماً في الطفولة متفوقاً على الجميع، ظل في المرحلة المتوسطة ومن ثمّ الثانوية متفوقاً وحاصداً دائماً للمراكز الأولى في الصف والمدرسة.. طيلة هذه الفترة لم أرى (أم عبود) توبخه و"تهزبه" إلا لسببٍ واحد.. حين كانت تراه برفقة (فيصلو) الذي كان لا يزال ساكناً في فريج العسبج.. وعلى الرغم من التوبيخ والهزاب والتحذير المتكرر من أمه، ظل (عبود) متشبثاً بعلاقته بـ (فيصلو).. فقد كان (عبود) جريئاً وعنيداً إلى أبعد الحدود، وإذا أراد شيئاً و"ركب راسه" فإنه يفعل المستحيل للحصول عليه

كان (فيصلو) في عمره يقع بين جيلين اثنين من الشباب في العسبج.. فشلة الشباب الأكبرون سناً أو"الكبارية" أيام العسبج كانت لا تعترف به كفرد في الشلة وتحتقره لا تدعوه لتجمعاتها وطلعاتها للبر والحداق، ولم يكن أمامه إلا أن يرافق و"يتزعم" شلة الأصغرون سناً، أي شلتنا.. وكان قد ترك الدراسة في المرحلة المتوسطة بعد عراكٍ بالأيدي والأرجل مع الأخصائي الإجتماعي ومدرس الرياضيات.. ولعب بعدها في نادي النصر لفترةٍ ثم طُرد من النادي لعدم انتظامه بمواعيد التدريبات، ثم بدأ بالعمل هنا وهناك ولم يستقر أبداً في عملٍ أو وظيفة.. وحيث كان يكبرنا سناً، كان هو أول أفراد الشلة القديمة اقتناءً للسيارة.. هوندا سي.آر.أكس آخر موديل.. صفراء فاقعة، مع نوافذ معتمة
!وملصقات "نينجا" و"نو-فير" في مؤخرة السيارة.. ويتوج ذلك كله ثلاث إيريلات تزهو في السماء

كان يتوج جيب ثوب (فيصلو) العلوي دائماً علبة مارلبورو حمراء، وكان يوزع السجائر على الجميع بكرمٍ طائيٍ متباهياً برجولته المرصعة بتلك العلبة.. وكلما رأيت (عبود) مرافقاً لـ (فيصلو) في الـ سي.آر.أكس حسبته –لكثرة تدخينه- مدمناً وعاشقاً للسجائر مثله مثل (فيصلو) في ذلك.. ولكنه من دون ( فيصلو) وإن مرت الأيام والأسابيع لم يكن يقرب التدخين أبداً.. كل من بدأ التدخين من الشلة انحرف عن سويّ الطريق، إلا (عبود).. فبالرغم أنه كان مرافقاً لهم إلا أنه لم تفته يوماً صلاةً أو صوماً أو جمعةً في المسجد.. وتمسكه هذا بقيمه، وقدرته على التحكم بالتدخين بدلاً ان يكون محكوماً منه
!زادت اعجابي حينها به كثيراً وتمنيت في قرارة نفسي في يومٍ من الأيام أن أكون مثله في ذلك

* * *

بعد تخرجنا من الثانوية، جمعتنا أنا و(عبود) منحة البعثة للدراسة في بريطانيا، وفرقتنا التخصصات والمدن، فهو قرر دراسة الصيدلة في جامعة مانشستر في وسط بريطانيا، أما أنا فقد قررت دراسة التجارة في جامعة أدنبرة في شمال بريطانيا.. كانت السنة الأولى، سنة اللغة والتعليم الأساسي في الجامعة، كسنوات الفراق بين العسبج والصفا.. فعلى الرغم من مسافة الأربع ساعات بالقطار إلا أننا كنا دائماً نلتقي نجتمع.. اما السنة الثانية فقد كانت مختلفةً بعض الشيء.. ربما بسبب ضغط الدراسة، أو ربما بسبب تغييري المستمر لهواتفي وأرقامي، أو بسبب سرقة هاتف (عبود) وانقطاع اتصالاتنا.. تعددت الأسباب والنتيجة أن علاقتنا بدأت تبهت شيئاً فشيئا وبعدها تحولت لمسجات فقط في أيام العيد، وفي الإجازة حين تواجدنا في دبي كانت تقتصر جمعتنا على جلسة المقاهي من إسبوع لآخر

أما في السنة الثالثة فقد انقطعت صلتنا المباشرة، ولم أكن أسمع أخباره إلا من أمي حيث قالت لي حينها أنه خطب وأنه غير تخصصه للعلوم الإجتماعية، وأنه كوّن أموالاً طائلة من البورصة.. أما في سنتي الرابعة والأخيرة في بريطانيا فقد انقطعت اخبار (عبود) تماماً.. فبعد ان بدأت منطقة الصفا تتحول تدريجياً لمنطقة شبه تجارية وبدأت طرقاتها تكتظ بالسيارات في الأيام جميعها، بدأ السكان ينتقلون رويداً رويدا إلى منطقة البرشاء.. وكان أهل (عبود)- كما قالت لي أمي من أول المنتقلين للبرشاء.. وبانتقالهم توقفت الأخبار.. وبعدها أضحى (عبود) فقط صديق أيام الطفولة والمدارس ولم يبقى منه أو من (فيصلو) أو الشلة القديمة إلا أطيافُ ذكرياتٍ طغت عليها حياتي الجديدة بعد تخرجي وعودتي للعمل في دبي


* * *

بعد أن توظفت وتدرجت في سلم الترقيات، منحت لأمي وبقية الحريم الضوء الأخضر للبحث عن زوجة المستقبل.. وفي زحمة الاقتراحات والمناقشات والمكالمات الحريمية، في ذروة ذلك كله قالت لي جدتي بأنها سمعت خبراً غريباً عن صديق أيام الطفولة (عبود).. قالت بأن أحدى صديقاتها في منطقة البرشاء أخبرتها بأن هناك إشاعة تقول بأن (عبيد الطايع) –أو(عبود)- قد لبسه الجن وأخذ عقله، وأن أهل منطقتهم يتناقلون الحكايات عن مشاهدته يجري في الطرقات وابين لأزقة صارخاً تارة وملقىً
!على الأرض مرتجفاً مصارعاً الجن تارةً أُخرى

لم يقبل عقلي تصديق تلك الحكاية، فقبل كل شيء لا أؤمن بخرافات الجن تلك، وثانياًفإن أهل (عبود) هم من أكثر الناس عقلانيةً ولا يمكن أبداً أن تكون الحكاية إلا إشاعاتٍ وخرافات!! قالت جدتي أيضاً يأنه يُقال أن أهله سافروا به لمدينة نزوة في سلطنة عمان حيث قابلوا الكثير من الشيوخ والسحرة الذين قالوا لهم بأن جن (عبود) هو من أشر الجان وأكثرها قوةً وصعوبةً في التطويع والإخراج!! حاولت نفض هذه الخرافات من عقلي إلا إنني وجدت نفسي مراراً وتكراراً أفكر فيها وأعرضها على عقلي وعلى الواقع.. فكرت في الذهاب لزيارتهم إلا أنني خجلت أن أزورهم فقط بدافع الفضول بعد سنين عدة من الانقطاع التام بهم

وتوالت الأخبار والحكايات الغريبة عن (عبود)، فقيل أن أبوه سافر معه لجبال اليمن للقاء أشهر خبراء ومطاوعة الجن، وقيل بأن الجن هذا يعشقُ جنيةً ماتت يوماً في العسبج، وأن هذا هو السبب الذي يجعل (عبود) يتردد كثيراً على العسبج ويمشي بين مبانيها وأزقتها و"سكيكها" هائماً على وجهه، وقيل بأن البعض رأه يوماً يبكي في العسبج ويوماً آخر يركض وهو يضحك بصوتٍ غير صوته، وقيل أيضاً أنه سُمع يتكلم لغةً غريبة جداً لا يفهمها إلا المطوّع الشهير في اليمن!! وبعد مدة.. توقفت سيول الأخبار الغريبة وقيل بأنهم ذهبوا إلى اليمن مرةً أُخرى وسيطول مكتثهم فيها هذه المرة


* * *

بعد وقوع الاختيار على شريكة العمر والتقدم الرسمي لها والخطبة، بدأت إجراءات التحضير للعرس.. الكثير من العوائل في مجتمعنا لا تكفيهم بطاقة الدعوة للحضور لحفل الزفاف.. بل يجب زيارتهم بوفد عائلي مرموق ودعوتهم دعوةً رسمية، ومن ثمَّ فقد يحضرون وقد لا يحضرون! وإحدى هذه العوائل كان جدهم الطاعن في السن لا يزال يسكن في أزقة العسبج القديمة، وكان علينا دعوة العائلة بالذهاب إلى بيتهم القديم وفي حضور جدهم الأكبر

دخلنا العسبج وكانت تفوح في أزقته ذكريات الماضي الجميل الذي يكاد أن يدفن تحت كل ما طرأ على هذه المنطقة من تغييرٍ بعد تغيير.. ضعنا بين الطرقات والشوارع الجديدة ولم نستطع الوصول للبيت المقصود.. توقفت أما مقهى شعبي جلست على كراسيه بعض الوجوه القديمة جداً والتي رسمت السنون ملامحها عليها، بعضهم يدخن القدو والآخر يلعب الورقة أو الطاولة وآخرٌ سرح في الماضي على ألحان أم كلثوم.. سلمت عليهم.. لا أعتقد أنهم تذكروني فآخر مرة التقيتهم فيها كنت أقصر من المتر!! طلبت منهم أن يدلوني على بيت فلان.. ولم يقصروا أبداً وأصروا على أن أشرب الشاي معهم إلا أنني استسمحتهم عُذراً. .رأيت في زاوية المقهى بالداخل وجهاً شاحباً مألوفاً لم أستطع أن أتذكره، ولكنني مضيت مستعجلاً عائداً إلى السيارة حيث كان ينتظرني أبي وعمي

صور العسبج القديمة والجديدة لم تفارق ذهني تلك الليلة أبداً، والوجه الشاحب المألوف في زاوية المقهى لم يفارقني.. في اليوم التالي وجدت نفسي مظطراً للذهاب للمقهى ذاته في العسبج مرةً أُخرى.. سلمت على الشواب الذين رحبوا بي وأصروا على أن أشرب الشاي معهم هذه المرة.. بدأت أحدثهم عن ذكرياتي القديمة في العسبج وسألتهم عن اخبار السكان القدامى ومن لا زال يسكن في العسبج.. ذكر لي أحدهم وهو ينفث دخان القدو قصة الجني العاشق الذي سكن (عبيد الطايع).. وقال أن (عبود) كان يأتي للجلوس هنا ويحدث نفسه كالمجانين.. قال أن هذه عينٌ حسودة وقعت على
!بيت الطايع وأن هذا عمل طليقته الساحرة التي جلبت له المصائب والجن

لمحت الوجه المألوف نفسه يدلف المقهى شاحباً وهو يمشي على غير هدى.. سألت الشواب عنه فقالوا لي بأن هذا هو مجرم الفريج السابق (فيصلو)! سبحان مغير الأحوال! أين تلك العضلات المفتولة وذاك القوام الممشوق؟! استأذنت الشواب وذهبت لأجلس معه.. رمقني لعدة ثوانٍ بنظرةٍ مريبة ثم ابتسم ابتسامة عريضة كاشفاً عن أسنان صفراء باهتة.. أخرج من جيبه العلوي علبة المارلبورو الحمراء وبدأ في التدخين.. كانت السنون العدة التي لم أراه فيها تضع بيني وبينه حاجزاً يزيده سُمكاً ومناعةً شحوب وجهه وحاله الذي يُرثى له.. كسر هو حاجز الصمت سائلاً إن كنت قد سمعت عن سوالف الجن وبيت الطايع.. أومأت برأسي إيجاباً

:ضحك وقال
بيني وبينك.. لا جن ولا خرابيط.. ولا نزوة ولا يمن ولاشيء من هذا القبيل.. أهل (عبود) أخذوا الناس على قدر عقولهم واخترعوا هذه الكذبة ستراً لسُمعتهم، وصدقها الناس وبدأوا بنسج الأساطير حولها.. الله يشفيه.. لم يُحرّفه عن الطريق الصحيح إلا رفاقه الإنجليز حين كان يدرس بينهم ..بيني وبينك.. هو الآن يتعالج من مضاعفات السموم والمخدرات في ألمانيا وسبق أن تعالج سابقاً في عدة مصحات أوروبية.. مسكينه طليقته تعذبت معه كثيراً.. قلت له ألف مرة أن هذا المزاج لا يناسبه ولا يناسب وضعه الإجتماعي.. ولكنه الله يهديه أصر على أن يجرب كل ما استعملته أنا.. أنا المسكين
!!ادخل السجن وأتبهدل وهو يتعالج بملايين أمه في مستشفيات أوروبا عند الممرضات الشقراوات


* * *

قبل زواجي بعدة أسابيع أخبرتني جدتي بأنه يُقال أن عائلة الطايع قد رجعت لتوها من اليمن.. وأنه يُقال أن المطوّع استطاع تهدئة الجن ولكن لم يستطع انتزاعه.. كانت جدتي تريد زيارتهم ودعوتهم لحضور حفل الزفاف.. فرفضت ذلك واستنكرته.. استغربت هي وسألتني عن السبب.. ترددت قليلاً
:في الإجابة.. ثم قلت لها

..إياكم والذهاب لبيت الطايع.. أقطعوا صلتكم معهم للأبد )
..لا يحضرون العرس ولا تكلمونهم ومالنا خص لا فيهم ولا في بلاويهم
!(يُقال بأن الجني الذي يسكنهم قد ملّ وتأذى وسيخرج قريباً.. هو فقط يبحث عن إنسيٍ آخرٍ يسكنه



(تمت)




الأحد، نوفمبر 04، 2007

قصة قصيرة

. رنـــيــــــــــن



فكرت كثيرا في عرض مشكلتي على طبيبٍ نفسي، وطال تفكيري وعرض.. إلا أنني كنت أتراجع دائماً عن اتخاذ مثل هذه الخطوة.. أحياناً كان التراجع فوراً حين تبدأ تلك الفكرة في التسلل إلى قرى أفكاري المتناثرة، وأحياناً أخرى كان التراجع يتأخر حتى دخولي العيادة وإلقائي نظرةً فاحصةً ناقدةً للمرضى في قاعة الانتظار.. أعتقد بأن أكثر مرتادي العيادات النفسية هم أصحاب شخصيةٍ متحرطمةٍ متذمرةٍ شكاكةٍ شكايةٍ إلى انقطاع النفس.. ويحاجون أنفسهم وغيرهم بأن لكل عقدةٍ شخصية حلٌ سحري بيد الأطباء.. وما أوهنها من حجة! لذلك أولاً ولاعتقادي ثانياً بأنني أعرف أين تكمن أصل مشكلتي، كنت دائماً أتراجع عن الانضمام لقوافل المتحرطمين المتمارضين

مشكلتي عبارة عن شجرةٍ لها جذورٌ لا تحصى عددا، ولها في السماء فروعاً لا تتوقف تفرعا، فلا اقتلاع الجذور الراسخة في أرض الواقع رسخاً بأمرٍ سهلاً، ولا حملُ فأسٍ قاطعٍ هو مانعٌ لنمو الشجرة أو للفروع راداً ردّا.. وكما أن شجرة المشاكل أخذت أزلاً في النمو والتجذر والتفرع فإن موتها سيأخذ من الزمن مأخذا..فصبراً صبرا، فذاك مفتاح الفرج.. المهم أن نقطع عن شجرة المشاكل ما جعلها دائماً تحيا.. فهو الماء، وفي واقعي فإن الماء الذي به للشجرة حياةً هو هاتفي النقال.. هو رأس المصائب وهو ساقي الشجرة المشؤمة سقيا

قصتي مع الهاتف النقال بدأت منذ صغري حين كنت أول من اقتنى هاتفاً نقالاً من بين أصدقائي وبعدها كنت أولهم اقتناءً لهاتفين ورقمين مميزين.. منذ تلك الأيام كنت في تغيير هواتفي دؤوباً ولكل جديدٍ طلوبا.. ربما أعتقدت يوماً أنني مسرفاً أو كنت سفيهاً مهملا، أو أنني في رحلة بحثٍ عن هاتفٍ يناسبني ولحياتي مرتِّباً مسهلا.. ولكنني لم أفكر حينها بجديةٍ عن سبب تتنقلي المستمر من هاتفٍ لآخر.. واليوم، بعد تفكيرٍ وتأنٍ، توصلت إلى يقينٍ بل عينُ اليقينِ في تلك المسألة.. إن تغييري الدؤوب لم يكن إلا هرباً من الهاتف، وكنت أتناسى وأتغاضى عن أن الهاتف هو أصل المشاكل، ويقيناً إذاً لن يجدي نفعاً كل هذا التغيير، وخلاصي لن يكون إلا بالتخلص من هاتفي النقال.. ولكن كيف أتخلص من هاتفي وأنا مقيدٌ به من كل حدبٍ وصوب!

فأنا الأخ الأكبر من بين إخواني وأخواتي، وأنا من حكم عليه المجتمع مؤبداً أن يكون قدوةً لمن جاء للحياة بعده من أبويه، ومع ذاك الحكم تأتي قائمة الأعمال الشاقة! فأنا السائق المجاني الذي بلمسة زرٍ واحدة يمكن الاتصال به، وإن لم أكن للطلب ملبياً هُزّت الرؤوسُ يُمنةً وشِمالا، وبدأت الألسنة تصطفق باللثث العلوية مصدرةً تلك الأصوات التي تجنبت كل لغات العالم أن تكتبها حروفاً، ثم تتبعها مقولة: (عيب عليك)! ومن هم حتى يحددون العيب؟ ولكن لا تنفع الثورة على التقاليد والأفكار في مثل هذه المواقف أبدا، فمن ثار عليها غدا ثوراً خائراً بعد الهياج، ولا حل إلا الإنقياد، والسير خلف تلكم الموروثات وأقاويل الجدات والأجداد

وإن لاحت في الأفق يوماً شرارة خلافٍ بين الإخوان، فلمسة زرٍ أو أزرار كافيةً لدعوة كبيرهم لفض النزاع وحل الخلاف.. فأنا بالنسبة لهم حلال المشاكل، بالله عليكم هل استطعت أن أقضي على شجرة مشاكلي لأحل مشاكلكم؟ وفاقد الشيء لا يعطيه.. إنما هم يضيفون لشجرتي حديقةً كاملةً من شتى أصناف أشجار المشاكل! لقد وجدوا أبسط الحلول لمشاكلهم.. تخلوا عن ملكية الشجرة ومنحوها للذي قيل عنه: (أكبر منك بيوم أعقل منك بسنة).. وإن دفعت عن نفسي مسؤولية الحل، تحولت شرارة ذالك الخلاف إلى صواعقاً تطلقها نظراتهم نحوي.. وأبدأ أنا بالتساؤل: لماذا تلكلمت
! اللغات بالألسن؟ إن العيون أبلغ منطقاً وأثراً من ألف لسانٍ بليغ

أما الزوجة والأطفال فما أدراك وما أدراك! فبعد كل الطلبات، والصراخ، والبكاء الذي هو لأسطورة لذة النوم محطما.. يرن الهاتف حين تخرج من المنزل هاربا.. تُقيّدُ بأغلال الهاتف صبحاً ومساء.. وإن قلت لا، زاد اصطفاق الألسن باللثث وتوالت صواعق النظرات وبعدها رعداً صوت أقاربك وأقاربها وما بينهما من أناس: (حرام عليك اللي تسويه في أم عيالك وعيالك)، فمن الأفضل تجنب تلك المطرقة بأن تُطرِق برأسك أرضاً وتردد قائلاً: (سمعاً وطاعة، ما تامرون بشي ثاني؟).. لعمري كم تمنيت أن يكون الشيء الثاني هو( أنْ لا تخف فنحن من بعد هذا اليوم لن نتصل بك أبدا).. كثيراً ما أتساءل ألم يفهموا كلهم طيلة هذه السنين لماذا لم أبدأ الاتصال بهم أبدا؟

كل ذاك في كفّةٍ وما بقي كان أثقل! مديري الجديد.. جاهلٌ عنيد، وقد أثقل كاهلي العمل مع مديرٍ لا يُدير، ومسؤولٍ يَسألُ ولا يُسأل.. سيول مكالماته بكمِّها وكيفها كافيةً لأن تُغرق أمةً بأكملها! لا أعرف ماذا كان سيفعل من دوني.. حتى في إجازاتي فإنه يعاملني كالمارد في المصباح السحري، حين يحتاجه يلقاه، وطلباته في طُرفة عينٍ مُلباة! إن طبيعة عملي لا تسمح لي بتجاهل مكالماته، ولا رفض طلباته، ووفير الأموال التي أنالها من وظيفتي تطفئ كل حلمٍٍ بتغيير وظيفتي فضلاً عن استقالتي

..لقد كلَّ حدِّي ونضّ وُفري.. وكان لا بُد من خطةٍ للتمرد على هذا الواقع


* * *

كنت أفكر أحياناً وأنا في مصيدة زحام أوقات الذروة ورنين هاتفي يقرع طبل مسامعي أن أصعد لقمة أطول بُرجٍ في شارع الشيخ زايد لألقي بهاتفي أو هواتفي كلها من الأعالي، ثم أتلذذ برؤية المجانين من السائقين من حولي يسحقونه شرّ سحقةٍ، وبعـدها أقطـع تذكـرةً إلى أقاصـي الأرض بلا رجعـة.. "كنت" أفكر في ذلك، وكانت تلي تلك الأفكار -المجنونة فعلاً- فكرة عرض مشكلتي على طبيب نفسي، وتبدأ بعد ذلك سلالسل الأفكار بجري إلى مواقع شتى، ويالكثرة مفاجآت تلك السلاسل المتزاحمة حين تلقي بك إلى حيث لم تحتسب! فلا أعرف كيف أو متى بالضبط تشكلت في ذهني خطة التمرد

التمرد أنواع فمنه دائمٌ كامل، ومنه مؤقتٌ زائل.. وكان علي اختيار الأنسب.. وفي حالتي ومجتمعي فإن التمرد على الموروثات كلها دفعةً واحدة يتطلب شجاعةً وبأساً، وأعترف هنا أن ضؤولة نفسي وانقطاع سببي وتجذر مشاكلي لا يسمح لي بتمرد شامل.. إذاً فالتمرد المؤقت أفضل.. فلنقطع الماء مؤقتاً عن تلك الشجرة المشؤومة ولأمنح نفسي متنفساً من الراحة.. سأُسكت هاتفي النقال لعدة أيامٍ موصولات بوضعه على الوضع الصامت، ولنرى كيف ستكون ردة فعل المجتمع والبيت والعمل

أقنعت أخي أن نسافر معاً عائلتي وعائلته لمدة إسبوعٍ كامل.. زوجتي لم تصدق بدايةً وسألتني كثيراً عن أنه كيف لي أن أقضي الإجازة في أوروبا وأنا لدي الكثير من الالتزامات في العمل، ولكن فرحتها هي والأطفال بخبر السفرة جعل إجاباتي المقتضبة والغير موزونة شديدة الإقناع! أما مديري فقد وقع على الموافقة وعلى شفتيه ابتسامة قاطعة بأن "الإجازة" ما هي إلا عبارة عن تغييرٌ في أوقات عملي ومكاني، فهو حتماً سيتصل بي.. آهٍ لو يعلمون ما كنت أخفي في صدري وزيف نبرة صوتي ونظراتي

وفي اليوم الموعود.. ذهبنا للمطار جميعاً بكل عدنا وعتادنا، واجتزنا بوابةً بعد بوابة.. وقبل دخولنا الطائرة بدقائقٍ يتيمة أخذت نفساً طويلاً فبل أن أعلن بداية التمرد.. جاهدت في رسم تعابير حزينة وصوتٌ آسفًٌ حين أنبأتهم بالخبر الكاذب الذي سيكون أول الغيث.. قلت لهم بأن مديري قد هاتفني للتو وأن هناك مشكلة طارئة علي أن أحلها حالاً قبل السفر، ثم منيتهم بوعدٍ كسحابة صيفٍ ٍ بأنني سألحق بهم في طيارة الغد، لم يسرهم ذاك الخبر ولكن أخي شمر عن ساعديه وهو يأخذ حمل المسؤولية عن كتفي مؤكداً بأن عائلتي ستكون قرة عينه وأول اهتمامه حتى وصولي أنا.. فلتأخذ
!المسؤولية، ولتجرب طعمها المر فأنا لن أسافر معكم

خرجت من المطار محلقاً فرحاً وتوجهت فوراً إلى فندق برج العرب، حيث كانت غرفتي بانتظاري.. وحيث سيخرس هاتفي حتى إشعار آخر.. قالت زوجتي بأنها ستتصل فور هبوط الطائرة وقال أخي وقال المدير.. فليتصل المتصلون جميعاً، وليفعلوا ما يفعلون ولتنقلب الأرض على السماء، لا يهمني كل ذلك.. فأنا الآن في فراشي الوثير، هاتفي الأخرس، ساعتي، كمبيوتري المحمول، جميعهم ألقيت بهم أرضاً، وأغلقت الستائر كلها لأغرق في سباتٍ عميق.. وها أنا أغرق ولا أقاوم النعاس



***

تململت في فراشي، استيقظت وكانت عيناي لا تزال مغلقتان، أدركت أن على وجهي إبتسامة عريضة، ابتسامة فرح وغرور، لقد نجحت الخطة.. فتحت عيناي بكسل.. لا أعلم إن كان الوقت ليلاً أم نهارا، الستائر الداكنة تمنع أي شعاع نورٍ بالدخول إلى جنتي هنا.. تسللت عيناي لترقب الهاتف المقلوب والقابع على أرض الغرفة.. ضحكت.. ثم ضحكت.. وأطلقت تنهيدة ارتياح.. واستسلمت مرةً أخرى لثقل جفناي وللظلام الحالك


***

آهٍ لك أيها الكسل وآهٍ لك أيها الخمول، كم افتقدتكما.. أشعر بأن كل ذرة في جسمي ترفض الحراك قبل غيرها.. لا أعرف كم مضى من الوقت ولا أعرف إن كنت قد نمت مرةً ثالثة أو رابعة قبل أن أتحرك ببطءٍ شديد لأصل لكمبيوتري المحمول..فتحته، وتجاهلت الدخول في صندوق الرسائل الإلكترونية.. بدأت أقلب الصفحت الالكترونية بعشوائية ودون هدف.. وقعت عيني على الساعة في الزاوية اليمنى بالأسفل.. كانت الساعة تشير إلى السادسة والنصف..لم أهتم إن كانت السادسة صباحاً أو مساءً، في البداية لم أهتم أي يومٍ هو اليوم، ثم دفعني الفضول المدفوع دفعاً من الملل إلى النقر مرتين على الساعة لأعرف أي يومٍ هو بالضبط

!الثلاثاء؟
السادسة والنصف مساءً
!أي أنني.. نمت من السبت إلى الثلاثاء

لم أعرف كيف أمتص هذا الواقع.. أذكر إنني دخلت الفدق يوم السبت ظهراً .. ثلاثة أيام؟ بل أربعة! هل يُعقل ذلك؟ لماذالا أشعر بالفرح؟ هذا ما خططت له لأشهرٍ طوال، يجب أن أصطنع الفرح وإن لم يكون نابعاً من أعماقي.. قفزت عيناي ساحبةً معها رقبتي لتنظر إلى الهاتف المقلوب على الأض في زاوية الغرفة.. شعرت بالرهبة.. ماذا سأقول لزوجتي؟ أو "علايه" أصغر بناتي التي أعلنت دون ترددٍ لكل القوم بأنها بنت أبوها وبس! حتماً ستبكي كثيرا إن لم أكلمها لثلاثة أيامٍ بل أربعة.. وماذا لو طرأ طارئً على صحة أبي وأمي؟

لا..لا.. علايه يجب أن تبدأ في الاعتماد على نفسها، وزوجتي ستتفهم الوضع، ولطالما كانت معي صبورة.. أما أبي وأمي فهم يحسبون إنني في سفر وماذا كنت أفعل إن طرأ حالٌ وأنا في سفر؟ ولكن .. ماذا لو كانت زوجتي قد أخبرتهم بالفعل عن عدم سفري.. حتماً سيتصلون بي وإن لم أرد على مكالمتهم فأنا على يقين بأن أبي لن ينام وأمي ستزداد حالتها الصحية تدهوراً وإخواني سيبحثون عني في المستشفيات وسيبلغون مراكز الشرطة.. قد يرن هاتف الغرفة في أي لحظة
!معلناً بأن الشرطة هنا يبحثون عن من خرج ولم يعد! وبعد أيامٍ يُنشر الخبر في الصحف والمجلات

قفزت رجلاي وانقاد جسمعي معهما نحو الهاتف..يا ترى أمازالت البطارية حيةً ترزق؟ وياترى أوصلت المكالمات التي لم أرد عليها لمجموع ثلاثة أرقامٍ أو ربما أربعة؟ وهل للهاتف القدرة على وضع مثل هذا الرقم الكبير في خانة لمكالمات الفائتة؟
..أمسكت بالهاتف.. وضغطت على زر الإنارة
!وليتني لم أضغط

أنارت الشاشة وأصابني الشلل بغتة! عضلات وجهي لم تعد تتحرك، ففمي مفتوحٌ على آخره، وجفناي العلويان أبعد ما يكون البعد عن السفليان، وأصابعي غدت عظاماً يابسة لا روح فيها ولا حياة.. لا أدري إن كان الشلل يوقف سيول الأفكار كما يوقف العضلات! ففي تلك اللحظة..ربما لُـحيظة، أو ثانيةٍ أو ثوان، ربما دقائق، فلم أعد أثق بإحساسي بالزمن، في تلك اللحظة أحسست بأن رأسي وجسمي لم يعد بداخله إلا الفراغ..لا شيء إلا الفراغ

شاشة الهاتف كانت فارغة.. صماء..لا مكالمات ولا رسائل ولا إنذارات.. ثلاثة أيامٍ بل أكثر.. ولم يتصل بي أحد! لماذا؟ لماذا لا يهتم بي أحد؟ ماذا لو كانت روحي قد فاضت لبارئها ولم يعد جسمي إلا جثةً هامدة.. لن يسأل عني أحد حتى تملأ الفندق رائحة الموت؟ إلهذه الدرجة يكرهني الجميع؟ هل عرفوا زيف نبأي وعلموا الغيب من أعمالي؟ على الأقل اتصال واحد من أم العيال، أو حتى ابنتي "بنت أبوها".. وأبي وأمي.. ألم يقلقا علي وألم يؤرقهما غيابي؟ عسى أن لا يكون المانع إلا خيرا.. أخواني وأخواتي ألا يحتاجون لمن دائماً فض نزاعاتهم وصالح بينهم؟ هل تغيرت الدنيا وأنا في سباتٍ عميق؟
..وهل

!رن الهاتف
نعم.. انه الهاتف يرن.. بعد طول غياب.. ما أحلى هذا الجهاز الذي يذكرك بأن هناك من يتذكرك
إنها ام العيال.. كدت أن أرد على المكالمة، ولكن مشاعر الفرح تلك لم تلبث أن انقلبت إلى غضب.. لماذا لم تتصل بي فور هبوط الطائرة؟ تركت الهاتف يرن ويرن ويرن.. حتى سكت.. ولم يطول الوقت حتى رن الهاتف مرةً أخرى معلنةً وصول رسالة مرئية.. مرةً أخرى من هاتف أم العيال.. تركت الهاتف جانباً للحظة، كان الصداع والغضب واليأس والوحدة والرهبة كلها تعصف برأسي.. فكرت في النوم مرة أخرى.. لا.. لا أريد أن أغرق في سباتٍ آخر

رجعت للهاتف مرةً أخرى لأرى الرسالة المرئية.. ضغطت غلى زر التشغيل.. كانت علاية في الصورة والحزن بادٍ على وجهها.. إنهم في الطيارة.. صوتها غير واضح.. تعاتبني؟ إنها تقول أنهم قد وصلوا للتو وهم في انتظاري.. ثم تأتي زوجتي في الصورة وهي تقول: (حبيت أطمنك إننا قد وصلنا للتو.. ويقولون إن الجو تحت الصفر.. وبنتك علايو وايد صاحت في الطيارة وكلنا وايد وايد مشتاقين.. خبرني متى توصل طيارتك).. وصولوا للتو؟ وكيف ذلك؟ ضغطت على زر معلومات الرسالة.. كانت الشاشة تقول بأن الرسالة قد أرسلت يوم السبت الساعة السابعة مساءً بتوقيت الإمارات! رجعت لخانة
!المكالمات الفائتة.. أيضاً مكالمة زوجتي التي لم أرد عليها كانت في يوم السبت بنفس التوقيت

هرعت إلى كمبيوتري المحمول.. لا زال مُصراً على أن اليوم هو الثلاثاء.. دخلت عدة مواقع في الانترنت لأتأكد أي يومٍ هو اليوم.. كلها تؤكد أن اليوم هو السبت.. أي أن ساعة هذا الجهاز مخطئة! أي أن الجميع لا يكرهني! أي أنني نمت فقط لمدة أربعة أو خمسة ساعات متقطعة، ولم يكن سباتاً طويلا.. رن هاتفي مرة أخرى.. إنه أبي.. حتماً عرف للتو بأني لم أسافر معهم.. لم أستطع الرد عليه.. فالدموع المحبوسة في مقلتاي كانت تحبس عبراتي وتخنق صوتي


***

خرجت من الفندق أسابق الرياح متجهاً نحو المطار بعد أن دفعت ما علي في الفندق وأرسلت رسالة إلكترونية لمديري أعلن فيها استقالتي ثلاثاً من عملي معه.. كانت يدي اليسرى على عجلة القيادة واليمنى ماسكةً بالهاتف.. لا أدري بمن أتصل اولاً.. أبي، أمي، إخوتي، زوجتي؟
..أنا الشجرة ولكم كلكم أحبتي كل الثمر، كله

!يجب أن أشتري هاتفاً لعلايه ويجب أن أشتري لي هاتفاً جديداً يتيح لي أن أرسل رسائلاً مرئية
!وحتماً يجب أن تكون به خاصية عرض التاريخ واليوم في شاشة العرض الرئيسية



(تمت)




الأحد، أكتوبر 22، 2006

قصة قصيرة
.
الـهـنـــــــــــــدي



أمواجٌ من الذكريات القديمة تلتطم بأخرى جديدة.. تتداخل الصور في بعضها البعض.. وسيل المخاوف يجرف كل شيء.. أرى زملائي في العمل يجلسون معي في المدرسة الابتدائية.. المدرسة تمتلئ بالكاميرات.. المسلسل على وشك النهاية.. أبي يقف في المطار مودعاً.. يضيء فلاشاً وأرى سيارة تطفو على أمواج الذكريات وتصطدم بصورة شاحنة.. حادث.. حادث.. الجميع يصرخ من حولي.. اتصلوا بالاسعاف.. يحملني أناسٌ لا أعرفهم وأرى ألواناً حمراء أمام عيني وأشعر بطعم الدماء في حلقي.. كنت أخاف في طفولتي أن أتحول إلى دراكولا إذا بلعت ريقي المختلط بدم أسنانٍ على شفا حفرة السقوط.. طعم الدماء يذكرني بطعم معجنون الأسنان.. الصداع يعتصر رأسي

فتحت عيني بصعوبة لأرى دنيا ضبابية.. أين أنا؟ كم من الوقت مضى وأنا على هذه الحالة؟

:هناك وجهاً غريباً يقترب ليسألني
تسمعني؟ هل تذكر اسمك؟
دو يو نو واتس يور نيم؟
آبكا نام كياهي؟

!غبي وأحمق! بالتأكيد أعرف اسمي
:قلت له اسمي إلا أنه حدق في ببلاهة أكثر وردد عليّ نفس الأسطوانة
دو يو نو واتس يور نيم؟
آبكا نام كياهي؟

***

أمواج الأفكار المجنونة بدأت تتباطأ وصور الحادث تطفو على سطح الأمواج المتعاقبة.. طعم الدماء في ريقي لا زال يقلقني .. بدأت أميز ملامح من حولي.. إنهم ممرضات.. دكاترة..كم أكره رائحة الأدوية في المستشفيات.. أرى رجلاي محبوستان في جبسٍ لا أعرف أين يبدأ وأين انتهى.. يدي الثقيلتين تنمنعني من رفاهية الوصول لرجلي لحكها.. رأسي تخنقه أكوام الضمادات التي تلقي بضلال رائحتها في أنفي.. جاءت إحدى المرضات وقالت لي: ها ماشالله أحين إنت وايد زين؟ أنت يريد شي؟

قلت لها في ضعف: عطشان
حملقت فيَّ وكأنها لم تفهم شيء، سألتني: إنت عربي يتكلم؟

!غبية
حاولت أن أتفاهم معها إلا أنها حملقتها وهبالة نظراتها ازدادت عمقاً! اختفت لبرهة ثم عادت ومعها ممرضة أخرى تكلمت معي بلغة غريبة، حاولت أن أشرح لهما أن كل ما أريده هو كأس ماء بارد، إلا أن غباءهما والتعابير الهبلاء على وجوههن وعقم فهمهن حرق كل ذرة صبرٍ فيّ ودفعني دفعاً لقمة جبال الصراخ.. إلا أن الصراخ وحتى السب لم يأتِ بأية نتيجة. اجتمعت حولي الممرضات ومازاد عددهن إلا الغباء غباءا! وما أوصلتني كثرتهن إلا لقمة ذاك الجبل

:جاء بعد قليل الدكتور متحدياً قمة صراخي قائلاً بلهجة استحقار
..احترم هذا المكان! احترم باقي المرضى
:ثم تمتم بصوتٍ خافت
!آخر زمن..هه.. هندي ما يسوى بيزه يصارخ علي


***

تثاوبت الممرضة هيفاء وهي جالسة على مكتب الاستقبال في قسم الحوادث.. نظرت لساعتها.. ما أطول اليوم.. المريض الجديد لم تعد تطيق صراخه.. يجب أن نضع لافتة على باب قسم الطوارئ تقول: قلة الأدب ممنوعة! غريب هذا المريض.. المشكلة إنه هندي ورافع خشمه علينا نحن المواطنين.. كيف يملك هذه الجرأة؟ لا يهم.. المفروض أنه الناس كلهم سواسية.. العجيب في الأمر أن لغته العربية صعبة وغريبة جداً ولم نعرف حتى الآن لغته الأصلية.. يقال بأن الهند بها أكثر من مائة لغة

..رأت الدكتور ناصر يقترب من الاستقبال وهو يطلق تنهيدة طويلة ويهز رأسه ضارباً كفاً بكف
:اقترب منها وقال

تصدقين يا هيفاء إني مقهور من هذا اللي اسمه أحمد الدين.. سائق هندي لا يسوى شيء ويصارخ كأنه ملك المستشفى بمن فيه. أعتقد بأن هناك سر وجريمة وراء هذا الغبي.. حاولنا الاتصال بكفيله إلا أن هاتفه مغلق.. اتصلنا في بيت الناس الذين يعمل لهم هذا السائق فردت الخدامة وقالت بأن الجميع قد سافروا لقضاء العطلة في أوروبا، وحين سألتها عن السائق أحمد الدين قالت أنه سافر ليلة أمس.. قالت أيضاً بأنها ستترك البيت اليوم للذهاب لبيت أخت صاحبة البيت، وقالت بأنها ستخبرها بحادث أحمد الدين وعدم سفره

إذا سألتيني عن رأيي فأعتقد بأن هذا الهندي سرق السيارة وهرب من دبي إلى العين.. وإلا ما الذي يفعله في العين وبيت كفيله في دبي؟

:قالت هيفاء في تردد
..الناس سواسية يا دكتور
..قد يكون هذا الهندي مسكين وطيب وأثر الحادث على سلوكه والصبر مفتاح الفرج

:صمت الدكتور ناصر لبرهة ثم قال
..كل شيء ممكن.. كل شيء ممكن.. لا حول ولا قوة إلا بالله

***

بدأ الضباب بالانقشاع وهدأت أمواج الأفكار وبدأت أميزتفاصيل الحادث في ذهني.. كنت خارجاً من المزرعة حين حصل الحادث.. خرجت على عجل.. لا أتذكر لماذا خرجت ولكنني أتذكر بأنني اصطدمت بشاحنة كبيرة وارتطم رأسي بعجلة القيادة.. ماذا حصل بعد الحادث؟ ألا يوجد أحد هنا لزيارتي؟

لماذا يعاملني الدكتور المواطن من أقصى طرف خشمه وكأني خادمٌ لأهله؟ لماذا يكلمني بهذا الجفاء وبهذه اللهجة؟ إنها ليست بالضبط لهجة استحقار، أحياناً بلا شك هي استحقار وإذلال ولكن في الغالب هي لهجة السيد المستعلي و الراثي لحال عبده المسكين.. أردت أن أسأل الدكتور ألم يخبروا أحداً من أهلي بهذا الحادث؟
!إلا أنني فوجئت بالطريقة التي تكلمت أنا بها
:كنت أتكلم بصعوبة وأقول

!أهل أنا وين؟
!أمي يعرف أنا في سيارة حادث؟

:رد علي الدكتور بنفس اللهجة المستعلية المستعبدة

هي.. هي.. كلهم سافروا
إنت ليش ما يسافر؟
إنت سرقت سيارة مال أرباب؟

!لماذا يكلمني بهذه اللهجة، لماذا ينعتني بالهندي حين يتحدث للممرضة

***

دون جدوى أحاول أن أُفهم الجميع بأني مواطن، لهجتي الغريبة تثير الشكوك في نفسي.. لماذا لا أستطيع أن أتحدث بطلاقة وباللهجة الامارانية؟ أفعلاً أنا هو السائق أحمد الدين؟ ذكرياتي كلها تخالف ذلك.. عقلي يرفض هذا الاحتمال.. مستحيل.. مستحيل.. ولكن الجميع ينعتني بالهندي والسائق وأحمد الدين!! أأخالف عقلي وأرضى بالواقع؟ هل جننت؟ هل أصبت بما يسمى بانفصام الشخصية؟

أجد صعوبة في التنفس، ونبضات قلبي تكاد تخرج قلبي من بين أضلعي.. الأمواج تشتد قساوةً وتعلو صور الذكريات فتبدأ الصور في التبعثر.. المزرعة تغرق تحت الأمواج.. انتهى التصوير وذهب الجميع إلا أنا وحدي تحت الأمواج.. الكاميرا تغرق.. اذهبوا أنتم وسأرجع لدبي بعد يومين.. لم أنم منذ يومين.. رائحة معجون الأسنان تختلط مرةً اخرى بطعم الدم في حلقي.. إنني أغرق.. أغرق.. سمعت المرضة تقول للدكتور: السائق فقد وعيه

***

..تتابع الصور بين أمواج الأفكار المتلاطمة بدا لي منطقياً أكثر من أي وقتٍ مضى
..ذهبت لمزرعتنا في العين لاكمال تصوير المسلسل الذي لعبت في آخر حلقاته دور الخادم الهندي
..انصرف الجميع بعد انتهاء التصوير
..قررت البقاء لليلة إضافية في المزرعة فبل الرجوع لدبي
كان الجوع قد أخذ مأخذه مني فخرجت مستعجلاً ولم أبدل ملابسي، وحتى لم أغسل شعري أو أغير هيأته.. فقط أردت الذهاب للكافيتيريا لشراء بعض السندويتشات.. لم آخذ محفظتي معي.. فقد كانت الخردة في السيارة كافية

ولكن لماذا يصر الجميع على أنني السائق؟

:دخل الدكتور إلى غرفتي وعلى وجهه ابتسامة كبيرة، قال لي

كيف حال ولدنا اليوم؟

سبحان مغير الأحوال! شتان ما بين لهجته اليوم ولهجة أمس! لهجته يلفها الاحترام كما يلف الجبس رجلاي! وابتسامته تلقي بظلالها على سرٍ وراء هذا التغير..لم أجد نفسي إلا وأنا ابتسم له وأومئ رأسي قائلاً: زين في .. حمدلله

:ابتسم الدكتور قائلاً بنبرة تبريرية
يا ولدي.. حصل لبس في موضوعك.. واليوم زارتنا خالتك وبينت لنا أنك حمد ولست السائق الهندي أحمد الدين.. اعذرنا فالاسعاف لم يجدوا أي هوية معك إلا رخصة سواقة أحمد الدين التي كانت في درج السيارة! ولهجتك المكسرة وهيأتك غلّبت الظن بأنك السائق.. وبعدين الضربة في الجهة اليسرى من رأسك أثرت في المنطقة اللغوية في المخ، فأنت تعرف ما تقول ولكن تجد صعوبة في إخراج الألفاظ والكلمات المناسبة (*)، وحالتك في تطور الحمدلله..
ما هي إلا بضعة أسابيع ونخلع الجبس
!وترد تتكلم مثل البلبل انشاءالله

ليس فقط الدكتور، بل الممرضات أيضاً تغيرت معاملتهم لي.. الجميع زاد احترامهم لي وحتى إني لأرى الخوف في أعين بعضهم.. أكيد عرفوا أنا ولد منو.. لم يعد أحد يكلمني بلهجة استحقار واستعلاء، كم هو قاسي هذا الشعور بالاستعلاء عليك.. ما اكره الشعور بالغربة في الوطن! الحمدلله أني ولدت مواطناً ولم أكن هندياً.. لن أستحقر ولن أستعلي على الهنود من بعد اليوم.. ولن أنعت أحداً حتى بصفة هندي أبداً.. كلنا بشر.. كلنا بشر

***

في إحدى زيارات خالتي لي في نهاية الاسبوع الأول في المستشفى شكت لي طريقة تعامل
:موظف الاستقبال فما وجدت نفسي إلا وأنا أقول غاضباً

!!هدّي أعصابج.. ما عليج منه.. تراه هندي وما يسوى! هذا يباله طراق يعلمه قدره

... .
. (تمت)
.
ؤ
.
.
حقيقة علمية (*)


السبت، فبراير 25، 2006

ذكـريـات

ليـلـــــة ٌعـن ألـــفِ ليـلـــــة


البرد القارس يتخلخل في عظامي، والغيوم كأنها غاضبةٌ تصب ذاك الغضب على الأرض أمطاراً وأمطارا.. الضباب الكثيف بدوره يصارع المطر، والقطرات الغاضبة ما أن تسقط على الأرض حتى تحاول
.. الارتداد والصعود مرةً أخرى فيصرعها الضباب فتسقط منكسرةً ذليلةً بعد هيج ارتدادها

وضعت مفتاحي بالباب وأدرته يمنةً، و بيدي الأخرى حاولت فتح الباب إلا أنه كان لا يزال مقفلاً.. أدرت المفتاح مرةً ثانية وثالثة ورابعة، يمنةً ويسرى حتى طفح بيَ الكيل.. وقفت محتاراً.. إنه ثالث اسبوعٍ لي في الغربة.. كانت تلك هي أول أيامي في مدينة جلاسجو ببريطانيا، وبالتحديد في أكتوبر 1997، كنت واقفاً أمام باب بيت العائلة الأسكتلندية التي استضافتني في أول سنة، أناسٌ طيبون وخيرون.. إنها الثانية والنصف صباحاً.. لا أعتقد بأنه من الأدب في هذه الأسابيع الأولى أن أزعجهم في هذه الساعة المتأخرة من الليل بدق الجرس، أعتقد بأنهم ظنوا بأني لا زلت في البيت فقفلوا الباب من الداخل، وبمفتاحي بالطبع لا يفتح ذاك القفل.. لم تكن من عادتي أبداً السهر حتى هذه الساعة المتأخرة، وكان يضرب بي المثل في بيتهم من ناحية تنظيم الوقت وعدم السهر،حتى أن الأم كانت دائماً تطلب من ابنها (روبرت) بأن يستفيد من انتظامي.. أعذرهم فعلاً إن كانوا قد قفلوا الباب بحسن
..نية

لا أستطيع الحراك من برودة الجو، و يعتريني شعورٌ غريب بأن الليلة لن تمر بهدوء وأنها ستشتد نحاسةً باشتداد البرد.. لماذا جنيت على نفسي بالقدوم لهذه الأرض الباردة، إن كان هذا حالي في أول أزمة لي في الغربة فما هو حالي بعد سنين حين ألتحق بالجامعة وأبدأ في دراسة الطب البشري؟ يجب أن أكون مسؤولاً وأتصرف بحكمة.. أخذت نفساً طويلاً استعداداً لمواجهة المجهول.. لا أدري لماذا تذكرت في تلك اللحظة مقولةٌ كنت قد فقدتها في أحد كهوف الذاكرة القديمة.. ما أقول في
!دارٍ أولها عناءٌ وآخرها فناء

كانت تلك اللية بداية اجازة نهاية الاسبوع، وكنت قد خرجت لتوي من مقر تجمع شلتنا، شقة (ضاحي) الاماراتي، كان (ضاحي) يكبرنا سناً ويسكن في شقةٍ لوحده، أما نحن الثلاثة: أنا، و (حامد) البحريني، و (نواف) الكويتي كانت تلك سنتنا الأولى، وكنا نسكن مع عوائل مضيفة.. كنا قد اتفقنا نحن الأربعة على الذهاب إلى مدينة (بلاك بول) صباح غد.. قرر كل من (حامد) و(نواف) المبيت في شقة (ضاحي) تلك الليلة، أما أنا فاتفقت معهم بأني سأقابلهم في الثامنة صباحاً في شقة (ضاحي).. وها أنا قد رجعت لبيت العائلة، واقفاً عند الباب، محتاراً.. أعتقد أنه من الأفضل أن أرجع لشقة (ضاحي) وأقضي بقية الليلة هناك.. لا أريد أن أزعج العائلة.. سنة 1997 كانت قبل عصر ( الكل عنده موبايل)، وبطبيعة الحال لم أكن أملك أية وسيلة للاتصال بالشباب، وما كان علي الآن إلا البحث عن سيارة أجرة تقلني
..(لشقة (ضاحي

الشارع الرئيسي يبعد عن البيت حوالي الربع ساعة مشياً، كان ذلك هو خياري الوحيد على الرغم من قسوة الجو والضباب الكثيف.. بدأت بالمشي والرياح ازدادت ضراوةً، وكأنها تعاندني وتعاكسني الاتجاه، المطر يزداد غزارةً وأنا أحاول حماية زجاج نظارتي الطبية من المطر، إلا أن المطر يجد وسيلةً للوصول حيث يريد! بدأت بالجري، لعل ذلك يخففف من شعوري بالبرد.. بدأت بصعود الهضبة التي تؤدي للشارع الرئيسي.. الأرض المبتلة تخدع توازني وأسقط، ثم أنهض وأردد في نفسي: ومن لا يحب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر، ومن لا يصعد الهضبة يبيت في البرد والمطر.. الساعة قاربت الثالثة صباحاً وقد وصلت لبر الأمان.. وصلت لمحطة توقف الحافلة حيث توجد كابنية تحميني من المطر.. لم تكن هناك أية حافلات في هذه الساعة المتأخرة، ولم أملك خياراً إلا انتظار أي سيارة أجرة..وجدت نفسي أمشي في دائرة صغيرة داخل الكابينة وأطلق زفراتًٌ حارة في يدي لعل ذلك يدفؤني من البرد القارس.. الشارع يخلو تماماً إلا من سيارة يتيمة تمر ببطءٍ شديد، وأخرى بداخلها مجنونٌ يتحدى الضباب.. أين هي سيارات الأجرة؟ أما من فاعل خيرٍ ينقذني؟ ماذا لو لم تمر سيارة
..أجرة حتى الصباح؟ لا.. لن أزعج العائلة.. سأصل لشقة (ضاحي) مهما طال الانتظار

يئست من طول الانتظار وبدأت أمشي ثم أجري متجهاً نحو الشقة! رحلة الحافلة من المحطة إلى شقة (ضاحي) في نصف ساعة، كم ياترى ستستغرق رحلة الأقدام؟ لا أريد التفكير الآن.. خلايا مخي عاجزةٌ عن إجراء هذه المعادلة الحسالبية، كل ما أعرفه هو أن الانتظار دون فعل شيء سيزيد من ظلمة الليل والبرودة، وأن أسناني بدأت تصطك ببعضها وأنا غير قادرٍ على منعها! ملابسي مبتلة حتى أخمص قدمي بالماء البارد.. أنفاسي تتلاحق وعضلات رجلي بدأ الإرهاق يعييها، كنت أدعوالله من أعماق قلبي أن أستيقظ فجأةً من سباتٍ طويل وأجد نفسي في فراشي الوثير في دبي وما تكون أيام جلاسجو القليلة إلا كابوساً ينتهي فوراً.. أغمظت عيناي وأنا أجري.. الجنون بدأ يسري في عروقي.. كنت أجري وعيناي مغمضةٌ.. سأعد إلى العشرة ثم أفتح عيناي.. فعلتها.. ومرةً أخرى أغمضت عيناي وأنا أجري ثم بدأت بالعد للعشرين.. الأرض المبتلة خدعت توازني زلقت قدماي
..فسقطت أرضاً

لماذا أغمضت عيناي؟ لماذا يتخذ الانسان أحياناً قرارات غير واقعية؟ قد تستغرق رحلة الأقدام حتى الصباح! لا أعتقد بأن بدني يتحمل هذه البرودة! بدأت في الجري مرةً أخرى وأنا أقرأ كل ما أحفظه من القرآن وكل ما أعرفه من أدعيةٍ وصلوات.. اللهم أرسل لي سيارة الأجرة.. يالله! الآن فقط فهمت تلك القصة! قصة البحار الملحد الذي انقطعت به السبل وهو وحيداً في عرض البحر.. حين لم يجد أحداً يساعده وبدأ قلبه بالصراخ استنجاداً بشيءٍ أقوى من الطبيعة.. إنني أمر بنفس الموقف ولكني مسلمٌ والحمدلله.. يالله.. يالله أعدك أن لا أقرب المعاصي وأن أحافظ على وقت صلاتي.. النجدةُ
!النجدة

لاحت لي سيارة الأجرة من بعيد على الطرف الآخر من الشارع، فبدأت كالمجنون أركض في عرض الشارع ملوحاً بيدي وصارخاً: (النجدة! النجدة!).. لا أعرف إن كانت تلك الفرحة يومها تفوقها أي فرحةً أخرى.. على الرغم من حالي المزري.. إلا أن وقوف السيارة لي كان له علي وقعاً عظيماً.. هكذا يفرح الفقراء حين يأتيهم أقل الرزق حتى وإن كانوا تحت خط الفقر يعيشون.. رمقني سائق الأجرة بنظرات غريبة وهو يقول: (لقد انتهت مناوبتي هذه الليلة منذ مدة، فإن كان طريقك يصادف طريقي أخذتك وإلا فلا!).. أحمد الله وأشكره بأن وجهتي كانت في طريقه، وعلى الرغم من ريبة نظراته إلا أنه وافق على توصيلي.. لم أكن حينها أفهم اللغة الجديدة جيداً وبخاصةً لكنة أهل (جلاسجو).. سائق الأجرة كان ثرثاراً كأكثر سائقي سيارات الأجرة في هذه المدينة.. استغربت لأنه لم يسألني عن السبب الذي يجعلني أركض وحيداً في الظلمة والمطر الغزير! يقال إذا عُرف السبب بطل العجب! كل
!ما فهمته منه هو أنه ليس على علاقة طيبة مع زوجته وإن تأخر الليلة فأن شيء غير جيدا سيحصل

طلبت منه الوقوف بجاني الصراف الآلي الذي يبعد قليلاً عن الشقة، فلم تكن في محفظتي إلا ورقة خمسة جنيهات.. نزلت من السيارة وكان الجو قد هدأ قليلاً ودقات قلبي بدأت بالاطمئنان، إلا أن الصراف الآلي لم يكن يعمل، فطلبت من السائق أن يأخذني إلى الآلة الثانية، ويالعجبي لم تكن تعمل هي الأخرى! لم يسر السائق لذلك وسألني والشرار يفور في عينيه إن كانت لدي أية نقود، فما كان مني إلا أن سلمته الجنيهات الخمس بتردد.. أخذها ساخطاً على الرغم من أنها أقل عن نصف السعر، وانطلق بعيداً بعد أن شتمني! بدأت بالمشي مبتسماً نحو الشقة.. كانت الساعة قد قاربت الرابعة والنصف صباحاً حين وصلت إلى عتبة العمارة التي كان يقطن فيها (ضاحي).. دلفت من باب العمارة الذي كان دائماً مفتوحا، وبتثاقل صعدت السلالم للطابق الثالث.. جرس الشقة كان عاطلاً، وكسل (ضاحي) أثقله عن إصلاحه.. طرقت الباب بهدوء في البداية، ثم بقوة.. لا حياة لمن تنادي.. النوم سلطان! الظلمة الحالكة في الممر وصوت صفير الهواء عند دخوله من باب العمارة يشعلان الخوف في قلبي.. أخذت نفساً طويلاً واستعذت بالله من الشيطان الرجيم وطرقت الباب بقوةٍ وأنا
..أصرخ: (ضاحي)، (حامد)، (نواف).. لا حياة لمن تنادي

بدأ اليأس بالتسلل إلى عروقي، تذكرت أني حين كنت بجانب الصراف الآلي الأول مرت سيارة شرطة.. سأذهب لنفس المكان وانتظر سيارة شرطة أخرى، لعلهم يأخذوني لفندقٍ قريبٍ أو بعيد أبيت فيه الليلة، أو لعلي أجد أجرةٌ أخرى.. ما كان هدوء الجو إلا الهدوء الذي يسبق العاصفة.. ازدادت الرياح ضراوةً والغيوم الآن غاضبةً أكثر من ما مضى.. دخلت صندوق الهاتف.. لعله يحميني من البرد والمطر.. كان جسمي يرجف برداً، والخوف من المجهول قد سيطر علي.. إنها سيارة الشرطة! أخيراً! خرجت من الصندوق ولكن للأسف لم يلمحوني أبداً.. أطرقت برأسي للأرض واتجهت نحو عتبة العمارة وجلست عند الباب، أحتمي من المطر.. أغمضت عيني لبرهة وكدت أن أسقط في النوم، إلا أني
..حاولت المقاومة.. حاولت

غشاءٌ باردٌ يغطي وجهي، أرى صوراً تتلاحق، وأصواتٌ مألوفة تتلاحق هي الأخرى.. دموعٌ تدخل عيناي! ياللعجب الدموع عادةً تخرج من العين وليس العكس، رأسي يستند على شيءٍ صلب ورائحةٌ غريبة تزعجني.. أحاول الحراك ولكن يدي ثقيلة.. حركت يدي باتجاه وجهي وإذا بي أتحسس وجهي مبللاً بالماء وقطرات المطر كالإبر في وجهي.. فتحت عيناي مستغرباً.. رأسي على الرصيف! لقد خطفني النوم وألقى بي على أرضية الرصيف.. نهضت بسرعة غير مصدقٍ لما حدث.. دخلت العمارة (ونفضت ما علق بي من أخلة الرصيف! صعدت السلالم للشقة وأسندت ظهري لباب شقة (ضاحي
..واستسلمت للنوم

فتحت عيناي وإذا هي الساعة السابعة صباحاً.. لم يكن هذا حلماً بل لا زالت ملابسي مبللة! ولم تزل رائحة الرصيف تنخر في أنفي! سمعت أصوات الشباب في الشقة وكلهم نشاط وحيوية.. بدأت الحياة تسري في عروقي.. كل ما استطعت فعله هو طرق الباب والصراخ: (حامد!).. لا أدري لماذا
:اخترت أن أناديه هو دون الآخرين، لعله كان أقربهم إلي.. سمعته يقول ضاحكاً كعادته مرحاً دائما
هاذي بوعلي.. صوته وكأنه لا زال نائماً)! فتح الباب فنهضت بصعوبة وأردت أن أقول شيئاً إلا أن)
الكلمات التي خرجت من فمي كانت همهمات لم أفهمها حتى أنا.. الدهشة علت وجه (حامد) وخرجت عيناه من مقلتيها، قال في تردد: (بوعلي.. أفا والله أفا!.. تأتي هنا وأنت سكران! أنت آخر من توقعته أن يكون خماراً.. إن الرائحة النتنة تفوح منك فوحاً!) لماذا أساء الظن بي؟ لماذا؟ حاولت أن
..(أشرح له موقفي.. إلا أني لم أستطع إلا أن أتمتم: ( عيب! أعرف ربي

لا أعتقد أنه صدقني بدايةً، ولكنه أدخلني للصالة، ولم يكن (ضاحي) و(نواف) بأقل استغراباً من
..حامد).. أعطوني عدة بطانيات.. وقدم لي (ضاحي) شراباً ساخناً.. بدأت باسترداد وعيي وذهني)
لم أقوى على شرح ما حصل إلا أني طلبت من (ضاحي) ملابس بديلةً، وقلت لهم: (الله معاكم.. أما أنا فسأنام هنا الآن.. وحين ترجعون الليلة أوقظوني!) استسلمت للنوم اللذيذ أمام المدفئة.. وبالفعل كنت لا أزال نائماً حين رجعوا هم قبل منصف الليل.. أوقظني الثلاثة معاً ضاحكين قائلين :(عيب.. أعرف ربي!).. شرحت لهم كل ما حدث بالتفاصيل المملة.. ضحكت كثيراً على موقف (حامد) حين
..رآني عند الباب.. ولا زلت أضحك حتى يومي هذا كلما تذكرت تلك الليلة.. ليلة عن ألف ليلة

* * *

مرت السنين وفي آخر يومٍ لـ (نواف) في بريطانيا قبل رجوعه للكويت قال لي متردداً: (اسمحلي اذا كنا غلطنا عليك.. وإن كنت لا تزال تذكر ليلتك المنحوسة في جلاسجو.. فإنني في تلك الليلة سمعت طرقات الباب وصراخك ولكنني رجحت بأنها حلمٌ مزعجٌ و أني لن أسمح له أن يسرق مني نومي اللذيذ بجانب المدفئة.. كانت بالفعل ليلة باردة جداً!) لم يكن مني إلا أنني ابتسمت ثم لكمته بقبضة يدي بكل ما أوتيت من قوة على كتفه قائلاً: (أتمنى أن لا تنسى تلك الحادثة) لا أعتقد بأن ردة فعلي أسرته أبداً.. يستاهل! أعتقد بأنها ردة فعل طبيعية! أليست كذلك؟