رحـّــــال

Sunday, November 04, 2007

قصة قصيرة

. رنـــيــــــــــن



فكرت كثيرا في عرض مشكلتي على طبيبٍ نفسي، وطال تفكيري وعرض.. إلا أنني كنت أتراجع دائماً عن اتخاذ مثل هذه الخطوة.. أحياناً كان التراجع فوراً حين تبدأ تلك الفكرة في التسلل إلى قرى أفكاري المتناثرة، وأحياناً أخرى كان التراجع يتأخر حتى دخولي العيادة وإلقائي نظرةً فاحصةً ناقدةً للمرضى في قاعة الانتظار.. أعتقد بأن أكثر مرتادي العيادات النفسية هم أصحاب شخصيةٍ متحرطمةٍ متذمرةٍ شكاكةٍ شكايةٍ إلى انقطاع النفس.. ويحاجون أنفسهم وغيرهم بأن لكل عقدةٍ شخصية حلٌ سحري بيد الأطباء.. وما أوهنها من حجة! لذلك أولاً ولاعتقادي ثانياً بأنني أعرف أين تكمن أصل مشكلتي، كنت دائماً أتراجع عن الانضمام لقوافل المتحرطمين المتمارضين

مشكلتي عبارة عن شجرةٍ لها جذورٌ لا تحصى عددا، ولها في السماء فروعاً لا تتوقف تفرعا، فلا اقتلاع الجذور الراسخة في أرض الواقع رسخاً بأمرٍ سهلاً، ولا حملُ فأسٍ قاطعٍ هو مانعٌ لنمو الشجرة أو للفروع راداً ردّا.. وكما أن شجرة المشاكل أخذت أزلاً في النمو والتجذر والتفرع فإن موتها سيأخذ من الزمن مأخذا..فصبراً صبرا، فذاك مفتاح الفرج.. المهم أن نقطع عن شجرة المشاكل ما جعلها دائماً تحيا.. فهو الماء، وفي واقعي فإن الماء الذي به للشجرة حياةً هو هاتفي النقال.. هو رأس المصائب وهو ساقي الشجرة المشؤمة سقيا

قصتي مع الهاتف النقال بدأت منذ صغري حين كنت أول من اقتنى هاتفاً نقالاً من بين أصدقائي وبعدها كنت أولهم اقتناءً لهاتفين ورقمين مميزين.. منذ تلك الأيام كنت في تغيير هواتفي دؤوباً ولكل جديدٍ طلوبا.. ربما أعتقدت يوماً أنني مسرفاً أو كنت سفيهاً مهملا، أو أنني في رحلة بحثٍ عن هاتفٍ يناسبني ولحياتي مرتِّباً مسهلا.. ولكنني لم أفكر حينها بجديةٍ عن سبب تتنقلي المستمر من هاتفٍ لآخر.. واليوم، بعد تفكيرٍ وتأنٍ، توصلت إلى يقينٍ بل عينُ اليقينِ في تلك المسألة.. إن تغييري الدؤوب لم يكن إلا هرباً من الهاتف، وكنت أتناسى وأتغاضى عن أن الهاتف هو أصل المشاكل، ويقيناً إذاً لن يجدي نفعاً كل هذا التغيير، وخلاصي لن يكون إلا بالتخلص من هاتفي النقال.. ولكن كيف أتخلص من هاتفي وأنا مقيدٌ به من كل حدبٍ وصوب!

فأنا الأخ الأكبر من بين إخواني وأخواتي، وأنا من حكم عليه المجتمع مؤبداً أن يكون قدوةً لمن جاء للحياة بعده من أبويه، ومع ذاك الحكم تأتي قائمة الأعمال الشاقة! فأنا السائق المجاني الذي بلمسة زرٍ واحدة يمكن الاتصال به، وإن لم أكن للطلب ملبياً هُزّت الرؤوسُ يُمنةً وشِمالا، وبدأت الألسنة تصطفق باللثث العلوية مصدرةً تلك الأصوات التي تجنبت كل لغات العالم أن تكتبها حروفاً، ثم تتبعها مقولة: (عيب عليك)! ومن هم حتى يحددون العيب؟ ولكن لا تنفع الثورة على التقاليد والأفكار في مثل هذه المواقف أبدا، فمن ثار عليها غدا ثوراً خائراً بعد الهياج، ولا حل إلا الإنقياد، والسير خلف تلكم الموروثات وأقاويل الجدات والأجداد

وإن لاحت في الأفق يوماً شرارة خلافٍ بين الإخوان، فلمسة زرٍ أو أزرار كافيةً لدعوة كبيرهم لفض النزاع وحل الخلاف.. فأنا بالنسبة لهم حلال المشاكل، بالله عليكم هل استطعت أن أقضي على شجرة مشاكلي لأحل مشاكلكم؟ وفاقد الشيء لا يعطيه.. إنما هم يضيفون لشجرتي حديقةً كاملةً من شتى أصناف أشجار المشاكل! لقد وجدوا أبسط الحلول لمشاكلهم.. تخلوا عن ملكية الشجرة ومنحوها للذي قيل عنه: (أكبر منك بيوم أعقل منك بسنة).. وإن دفعت عن نفسي مسؤولية الحل، تحولت شرارة ذالك الخلاف إلى صواعقاً تطلقها نظراتهم نحوي.. وأبدأ أنا بالتساؤل: لماذا تلكلمت
! اللغات بالألسن؟ إن العيون أبلغ منطقاً وأثراً من ألف لسانٍ بليغ

أما الزوجة والأطفال فما أدراك وما أدراك! فبعد كل الطلبات، والصراخ، والبكاء الذي هو لأسطورة لذة النوم محطما.. يرن الهاتف حين تخرج من المنزل هاربا.. تُقيّدُ بأغلال الهاتف صبحاً ومساء.. وإن قلت لا، زاد اصطفاق الألسن باللثث وتوالت صواعق النظرات وبعدها رعداً صوت أقاربك وأقاربها وما بينهما من أناس: (حرام عليك اللي تسويه في أم عيالك وعيالك)، فمن الأفضل تجنب تلك المطرقة بأن تُطرِق برأسك أرضاً وتردد قائلاً: (سمعاً وطاعة، ما تامرون بشي ثاني؟).. لعمري كم تمنيت أن يكون الشيء الثاني هو( أنْ لا تخف فنحن من بعد هذا اليوم لن نتصل بك أبدا).. كثيراً ما أتساءل ألم يفهموا كلهم طيلة هذه السنين لماذا لم أبدأ الاتصال بهم أبدا؟

كل ذاك في كفّةٍ وما بقي كان أثقل! مديري الجديد.. جاهلٌ عنيد، وقد أثقل كاهلي العمل مع مديرٍ لا يُدير، ومسؤولٍ يَسألُ ولا يُسأل.. سيول مكالماته بكمِّها وكيفها كافيةً لأن تُغرق أمةً بأكملها! لا أعرف ماذا كان سيفعل من دوني.. حتى في إجازاتي فإنه يعاملني كالمارد في المصباح السحري، حين يحتاجه يلقاه، وطلباته في طُرفة عينٍ مُلباة! إن طبيعة عملي لا تسمح لي بتجاهل مكالماته، ولا رفض طلباته، ووفير الأموال التي أنالها من وظيفتي تطفئ كل حلمٍٍ بتغيير وظيفتي فضلاً عن استقالتي

..لقد كلَّ حدِّي ونضّ وُفري.. وكان لا بُد من خطةٍ للتمرد على هذا الواقع


* * *

كنت أفكر أحياناً وأنا في مصيدة زحام أوقات الذروة ورنين هاتفي يقرع طبل مسامعي أن أصعد لقمة أطول بُرجٍ في شارع الشيخ زايد لألقي بهاتفي أو هواتفي كلها من الأعالي، ثم أتلذذ برؤية المجانين من السائقين من حولي يسحقونه شرّ سحقةٍ، وبعـدها أقطـع تذكـرةً إلى أقاصـي الأرض بلا رجعـة.. "كنت" أفكر في ذلك، وكانت تلي تلك الأفكار -المجنونة فعلاً- فكرة عرض مشكلتي على طبيب نفسي، وتبدأ بعد ذلك سلالسل الأفكار بجري إلى مواقع شتى، ويالكثرة مفاجآت تلك السلاسل المتزاحمة حين تلقي بك إلى حيث لم تحتسب! فلا أعرف كيف أو متى بالضبط تشكلت في ذهني خطة التمرد

التمرد أنواع فمنه دائمٌ كامل، ومنه مؤقتٌ زائل.. وكان علي اختيار الأنسب.. وفي حالتي ومجتمعي فإن التمرد على الموروثات كلها دفعةً واحدة يتطلب شجاعةً وبأساً، وأعترف هنا أن ضؤولة نفسي وانقطاع سببي وتجذر مشاكلي لا يسمح لي بتمرد شامل.. إذاً فالتمرد المؤقت أفضل.. فلنقطع الماء مؤقتاً عن تلك الشجرة المشؤومة ولأمنح نفسي متنفساً من الراحة.. سأُسكت هاتفي النقال لعدة أيامٍ موصولات بوضعه على الوضع الصامت، ولنرى كيف ستكون ردة فعل المجتمع والبيت والعمل

أقنعت أخي أن نسافر معاً عائلتي وعائلته لمدة إسبوعٍ كامل.. زوجتي لم تصدق بدايةً وسألتني كثيراً عن أنه كيف لي أن أقضي الإجازة في أوروبا وأنا لدي الكثير من الالتزامات في العمل، ولكن فرحتها هي والأطفال بخبر السفرة جعل إجاباتي المقتضبة والغير موزونة شديدة الإقناع! أما مديري فقد وقع على الموافقة وعلى شفتيه ابتسامة قاطعة بأن "الإجازة" ما هي إلا عبارة عن تغييرٌ في أوقات عملي ومكاني، فهو حتماً سيتصل بي.. آهٍ لو يعلمون ما كنت أخفي في صدري وزيف نبرة صوتي ونظراتي

وفي اليوم الموعود.. ذهبنا للمطار جميعاً بكل عدنا وعتادنا، واجتزنا بوابةً بعد بوابة.. وقبل دخولنا الطائرة بدقائقٍ يتيمة أخذت نفساً طويلاً فبل أن أعلن بداية التمرد.. جاهدت في رسم تعابير حزينة وصوتٌ آسفًٌ حين أنبأتهم بالخبر الكاذب الذي سيكون أول الغيث.. قلت لهم بأن مديري قد هاتفني للتو وأن هناك مشكلة طارئة علي أن أحلها حالاً قبل السفر، ثم منيتهم بوعدٍ كسحابة صيفٍ ٍ بأنني سألحق بهم في طيارة الغد، لم يسرهم ذاك الخبر ولكن أخي شمر عن ساعديه وهو يأخذ حمل المسؤولية عن كتفي مؤكداً بأن عائلتي ستكون قرة عينه وأول اهتمامه حتى وصولي أنا.. فلتأخذ
!المسؤولية، ولتجرب طعمها المر فأنا لن أسافر معكم

خرجت من المطار محلقاً فرحاً وتوجهت فوراً إلى فندق برج العرب، حيث كانت غرفتي بانتظاري.. وحيث سيخرس هاتفي حتى إشعار آخر.. قالت زوجتي بأنها ستتصل فور هبوط الطائرة وقال أخي وقال المدير.. فليتصل المتصلون جميعاً، وليفعلوا ما يفعلون ولتنقلب الأرض على السماء، لا يهمني كل ذلك.. فأنا الآن في فراشي الوثير، هاتفي الأخرس، ساعتي، كمبيوتري المحمول، جميعهم ألقيت بهم أرضاً، وأغلقت الستائر كلها لأغرق في سباتٍ عميق.. وها أنا أغرق ولا أقاوم النعاس



***

تململت في فراشي، استيقظت وكانت عيناي لا تزال مغلقتان، أدركت أن على وجهي إبتسامة عريضة، ابتسامة فرح وغرور، لقد نجحت الخطة.. فتحت عيناي بكسل.. لا أعلم إن كان الوقت ليلاً أم نهارا، الستائر الداكنة تمنع أي شعاع نورٍ بالدخول إلى جنتي هنا.. تسللت عيناي لترقب الهاتف المقلوب والقابع على أرض الغرفة.. ضحكت.. ثم ضحكت.. وأطلقت تنهيدة ارتياح.. واستسلمت مرةً أخرى لثقل جفناي وللظلام الحالك


***

آهٍ لك أيها الكسل وآهٍ لك أيها الخمول، كم افتقدتكما.. أشعر بأن كل ذرة في جسمي ترفض الحراك قبل غيرها.. لا أعرف كم مضى من الوقت ولا أعرف إن كنت قد نمت مرةً ثالثة أو رابعة قبل أن أتحرك ببطءٍ شديد لأصل لكمبيوتري المحمول..فتحته، وتجاهلت الدخول في صندوق الرسائل الإلكترونية.. بدأت أقلب الصفحت الالكترونية بعشوائية ودون هدف.. وقعت عيني على الساعة في الزاوية اليمنى بالأسفل.. كانت الساعة تشير إلى السادسة والنصف..لم أهتم إن كانت السادسة صباحاً أو مساءً، في البداية لم أهتم أي يومٍ هو اليوم، ثم دفعني الفضول المدفوع دفعاً من الملل إلى النقر مرتين على الساعة لأعرف أي يومٍ هو بالضبط

!الثلاثاء؟
السادسة والنصف مساءً
!أي أنني.. نمت من السبت إلى الثلاثاء

لم أعرف كيف أمتص هذا الواقع.. أذكر إنني دخلت الفدق يوم السبت ظهراً .. ثلاثة أيام؟ بل أربعة! هل يُعقل ذلك؟ لماذالا أشعر بالفرح؟ هذا ما خططت له لأشهرٍ طوال، يجب أن أصطنع الفرح وإن لم يكون نابعاً من أعماقي.. قفزت عيناي ساحبةً معها رقبتي لتنظر إلى الهاتف المقلوب على الأض في زاوية الغرفة.. شعرت بالرهبة.. ماذا سأقول لزوجتي؟ أو "علايه" أصغر بناتي التي أعلنت دون ترددٍ لكل القوم بأنها بنت أبوها وبس! حتماً ستبكي كثيرا إن لم أكلمها لثلاثة أيامٍ بل أربعة.. وماذا لو طرأ طارئً على صحة أبي وأمي؟

لا..لا.. علايه يجب أن تبدأ في الاعتماد على نفسها، وزوجتي ستتفهم الوضع، ولطالما كانت معي صبورة.. أما أبي وأمي فهم يحسبون إنني في سفر وماذا كنت أفعل إن طرأ حالٌ وأنا في سفر؟ ولكن .. ماذا لو كانت زوجتي قد أخبرتهم بالفعل عن عدم سفري.. حتماً سيتصلون بي وإن لم أرد على مكالمتهم فأنا على يقين بأن أبي لن ينام وأمي ستزداد حالتها الصحية تدهوراً وإخواني سيبحثون عني في المستشفيات وسيبلغون مراكز الشرطة.. قد يرن هاتف الغرفة في أي لحظة
!معلناً بأن الشرطة هنا يبحثون عن من خرج ولم يعد! وبعد أيامٍ يُنشر الخبر في الصحف والمجلات

قفزت رجلاي وانقاد جسمعي معهما نحو الهاتف..يا ترى أمازالت البطارية حيةً ترزق؟ وياترى أوصلت المكالمات التي لم أرد عليها لمجموع ثلاثة أرقامٍ أو ربما أربعة؟ وهل للهاتف القدرة على وضع مثل هذا الرقم الكبير في خانة لمكالمات الفائتة؟
..أمسكت بالهاتف.. وضغطت على زر الإنارة
!وليتني لم أضغط

أنارت الشاشة وأصابني الشلل بغتة! عضلات وجهي لم تعد تتحرك، ففمي مفتوحٌ على آخره، وجفناي العلويان أبعد ما يكون البعد عن السفليان، وأصابعي غدت عظاماً يابسة لا روح فيها ولا حياة.. لا أدري إن كان الشلل يوقف سيول الأفكار كما يوقف العضلات! ففي تلك اللحظة..ربما لُـحيظة، أو ثانيةٍ أو ثوان، ربما دقائق، فلم أعد أثق بإحساسي بالزمن، في تلك اللحظة أحسست بأن رأسي وجسمي لم يعد بداخله إلا الفراغ..لا شيء إلا الفراغ

شاشة الهاتف كانت فارغة.. صماء..لا مكالمات ولا رسائل ولا إنذارات.. ثلاثة أيامٍ بل أكثر.. ولم يتصل بي أحد! لماذا؟ لماذا لا يهتم بي أحد؟ ماذا لو كانت روحي قد فاضت لبارئها ولم يعد جسمي إلا جثةً هامدة.. لن يسأل عني أحد حتى تملأ الفندق رائحة الموت؟ إلهذه الدرجة يكرهني الجميع؟ هل عرفوا زيف نبأي وعلموا الغيب من أعمالي؟ على الأقل اتصال واحد من أم العيال، أو حتى ابنتي "بنت أبوها".. وأبي وأمي.. ألم يقلقا علي وألم يؤرقهما غيابي؟ عسى أن لا يكون المانع إلا خيرا.. أخواني وأخواتي ألا يحتاجون لمن دائماً فض نزاعاتهم وصالح بينهم؟ هل تغيرت الدنيا وأنا في سباتٍ عميق؟
..وهل

!رن الهاتف
نعم.. انه الهاتف يرن.. بعد طول غياب.. ما أحلى هذا الجهاز الذي يذكرك بأن هناك من يتذكرك
إنها ام العيال.. كدت أن أرد على المكالمة، ولكن مشاعر الفرح تلك لم تلبث أن انقلبت إلى غضب.. لماذا لم تتصل بي فور هبوط الطائرة؟ تركت الهاتف يرن ويرن ويرن.. حتى سكت.. ولم يطول الوقت حتى رن الهاتف مرةً أخرى معلنةً وصول رسالة مرئية.. مرةً أخرى من هاتف أم العيال.. تركت الهاتف جانباً للحظة، كان الصداع والغضب واليأس والوحدة والرهبة كلها تعصف برأسي.. فكرت في النوم مرة أخرى.. لا.. لا أريد أن أغرق في سباتٍ آخر

رجعت للهاتف مرةً أخرى لأرى الرسالة المرئية.. ضغطت غلى زر التشغيل.. كانت علاية في الصورة والحزن بادٍ على وجهها.. إنهم في الطيارة.. صوتها غير واضح.. تعاتبني؟ إنها تقول أنهم قد وصلوا للتو وهم في انتظاري.. ثم تأتي زوجتي في الصورة وهي تقول: (حبيت أطمنك إننا قد وصلنا للتو.. ويقولون إن الجو تحت الصفر.. وبنتك علايو وايد صاحت في الطيارة وكلنا وايد وايد مشتاقين.. خبرني متى توصل طيارتك).. وصولوا للتو؟ وكيف ذلك؟ ضغطت على زر معلومات الرسالة.. كانت الشاشة تقول بأن الرسالة قد أرسلت يوم السبت الساعة السابعة مساءً بتوقيت الإمارات! رجعت لخانة
!المكالمات الفائتة.. أيضاً مكالمة زوجتي التي لم أرد عليها كانت في يوم السبت بنفس التوقيت

هرعت إلى كمبيوتري المحمول.. لا زال مُصراً على أن اليوم هو الثلاثاء.. دخلت عدة مواقع في الانترنت لأتأكد أي يومٍ هو اليوم.. كلها تؤكد أن اليوم هو السبت.. أي أن ساعة هذا الجهاز مخطئة! أي أن الجميع لا يكرهني! أي أنني نمت فقط لمدة أربعة أو خمسة ساعات متقطعة، ولم يكن سباتاً طويلا.. رن هاتفي مرة أخرى.. إنه أبي.. حتماً عرف للتو بأني لم أسافر معهم.. لم أستطع الرد عليه.. فالدموع المحبوسة في مقلتاي كانت تحبس عبراتي وتخنق صوتي


***

خرجت من الفندق أسابق الرياح متجهاً نحو المطار بعد أن دفعت ما علي في الفندق وأرسلت رسالة إلكترونية لمديري أعلن فيها استقالتي ثلاثاً من عملي معه.. كانت يدي اليسرى على عجلة القيادة واليمنى ماسكةً بالهاتف.. لا أدري بمن أتصل اولاً.. أبي، أمي، إخوتي، زوجتي؟
..أنا الشجرة ولكم كلكم أحبتي كل الثمر، كله

!يجب أن أشتري هاتفاً لعلايه ويجب أن أشتري لي هاتفاً جديداً يتيح لي أن أرسل رسائلاً مرئية
!وحتماً يجب أن تكون به خاصية عرض التاريخ واليوم في شاشة العرض الرئيسية



(تمت)




Sunday, October 22, 2006

قصة قصيرة
.
الـهـنـــــــــــــدي



أمواجٌ من الذكريات القديمة تلتطم بأخرى جديدة.. تتداخل الصور في بعضها البعض.. وسيل المخاوف يجرف كل شيء.. أرى زملائي في العمل يجلسون معي في المدرسة الابتدائية.. المدرسة تمتلئ بالكاميرات.. المسلسل على وشك النهاية.. أبي يقف في المطار مودعاً.. يضيء فلاشاً وأرى سيارة تطفو على أمواج الذكريات وتصطدم بصورة شاحنة.. حادث.. حادث.. الجميع يصرخ من حولي.. اتصلوا بالاسعاف.. يحملني أناسٌ لا أعرفهم وأرى ألواناً حمراء أمام عيني وأشعر بطعم الدماء في حلقي.. كنت أخاف في طفولتي أن أتحول إلى دراكولا إذا بلعت ريقي المختلط بدم أسنانٍ على شفا حفرة السقوط.. طعم الدماء يذكرني بطعم معجنون الأسنان.. الصداع يعتصر رأسي

فتحت عيني بصعوبة لأرى دنيا ضبابية.. أين أنا؟ كم من الوقت مضى وأنا على هذه الحالة؟

:هناك وجهاً غريباً يقترب ليسألني
تسمعني؟ هل تذكر اسمك؟
دو يو نو واتس يور نيم؟
آبكا نام كياهي؟

!غبي وأحمق! بالتأكيد أعرف اسمي
:قلت له اسمي إلا أنه حدق في ببلاهة أكثر وردد عليّ نفس الأسطوانة
دو يو نو واتس يور نيم؟
آبكا نام كياهي؟

***

أمواج الأفكار المجنونة بدأت تتباطأ وصور الحادث تطفو على سطح الأمواج المتعاقبة.. طعم الدماء في ريقي لا زال يقلقني .. بدأت أميز ملامح من حولي.. إنهم ممرضات.. دكاترة..كم أكره رائحة الأدوية في المستشفيات.. أرى رجلاي محبوستان في جبسٍ لا أعرف أين يبدأ وأين انتهى.. يدي الثقيلتين تنمنعني من رفاهية الوصول لرجلي لحكها.. رأسي تخنقه أكوام الضمادات التي تلقي بضلال رائحتها في أنفي.. جاءت إحدى المرضات وقالت لي: ها ماشالله أحين إنت وايد زين؟ أنت يريد شي؟

قلت لها في ضعف: عطشان
حملقت فيَّ وكأنها لم تفهم شيء، سألتني: إنت عربي يتكلم؟

!غبية
حاولت أن أتفاهم معها إلا أنها حملقتها وهبالة نظراتها ازدادت عمقاً! اختفت لبرهة ثم عادت ومعها ممرضة أخرى تكلمت معي بلغة غريبة، حاولت أن أشرح لهما أن كل ما أريده هو كأس ماء بارد، إلا أن غباءهما والتعابير الهبلاء على وجوههن وعقم فهمهن حرق كل ذرة صبرٍ فيّ ودفعني دفعاً لقمة جبال الصراخ.. إلا أن الصراخ وحتى السب لم يأتِ بأية نتيجة. اجتمعت حولي الممرضات ومازاد عددهن إلا الغباء غباءا! وما أوصلتني كثرتهن إلا لقمة ذاك الجبل

:جاء بعد قليل الدكتور متحدياً قمة صراخي قائلاً بلهجة استحقار
..احترم هذا المكان! احترم باقي المرضى
:ثم تمتم بصوتٍ خافت
!آخر زمن..هه.. هندي ما يسوى بيزه يصارخ علي


***

تثاوبت الممرضة هيفاء وهي جالسة على مكتب الاستقبال في قسم الحوادث.. نظرت لساعتها.. ما أطول اليوم.. المريض الجديد لم تعد تطيق صراخه.. يجب أن نضع لافتة على باب قسم الطوارئ تقول: قلة الأدب ممنوعة! غريب هذا المريض.. المشكلة إنه هندي ورافع خشمه علينا نحن المواطنين.. كيف يملك هذه الجرأة؟ لا يهم.. المفروض أنه الناس كلهم سواسية.. العجيب في الأمر أن لغته العربية صعبة وغريبة جداً ولم نعرف حتى الآن لغته الأصلية.. يقال بأن الهند بها أكثر من مائة لغة

..رأت الدكتور ناصر يقترب من الاستقبال وهو يطلق تنهيدة طويلة ويهز رأسه ضارباً كفاً بكف
:اقترب منها وقال

تصدقين يا هيفاء إني مقهور من هذا اللي اسمه أحمد الدين.. سائق هندي لا يسوى شيء ويصارخ كأنه ملك المستشفى بمن فيه. أعتقد بأن هناك سر وجريمة وراء هذا الغبي.. حاولنا الاتصال بكفيله إلا أن هاتفه مغلق.. اتصلنا في بيت الناس الذين يعمل لهم هذا السائق فردت الخدامة وقالت بأن الجميع قد سافروا لقضاء العطلة في أوروبا، وحين سألتها عن السائق أحمد الدين قالت أنه سافر ليلة أمس.. قالت أيضاً بأنها ستترك البيت اليوم للذهاب لبيت أخت صاحبة البيت، وقالت بأنها ستخبرها بحادث أحمد الدين وعدم سفره

إذا سألتيني عن رأيي فأعتقد بأن هذا الهندي سرق السيارة وهرب من دبي إلى العين.. وإلا ما الذي يفعله في العين وبيت كفيله في دبي؟

:قالت هيفاء في تردد
..الناس سواسية يا دكتور
..قد يكون هذا الهندي مسكين وطيب وأثر الحادث على سلوكه والصبر مفتاح الفرج

:صمت الدكتور ناصر لبرهة ثم قال
..كل شيء ممكن.. كل شيء ممكن.. لا حول ولا قوة إلا بالله

***

بدأ الضباب بالانقشاع وهدأت أمواج الأفكار وبدأت أميزتفاصيل الحادث في ذهني.. كنت خارجاً من المزرعة حين حصل الحادث.. خرجت على عجل.. لا أتذكر لماذا خرجت ولكنني أتذكر بأنني اصطدمت بشاحنة كبيرة وارتطم رأسي بعجلة القيادة.. ماذا حصل بعد الحادث؟ ألا يوجد أحد هنا لزيارتي؟

لماذا يعاملني الدكتور المواطن من أقصى طرف خشمه وكأني خادمٌ لأهله؟ لماذا يكلمني بهذا الجفاء وبهذه اللهجة؟ إنها ليست بالضبط لهجة استحقار، أحياناً بلا شك هي استحقار وإذلال ولكن في الغالب هي لهجة السيد المستعلي و الراثي لحال عبده المسكين.. أردت أن أسأل الدكتور ألم يخبروا أحداً من أهلي بهذا الحادث؟
!إلا أنني فوجئت بالطريقة التي تكلمت أنا بها
:كنت أتكلم بصعوبة وأقول

!أهل أنا وين؟
!أمي يعرف أنا في سيارة حادث؟

:رد علي الدكتور بنفس اللهجة المستعلية المستعبدة

هي.. هي.. كلهم سافروا
إنت ليش ما يسافر؟
إنت سرقت سيارة مال أرباب؟

!لماذا يكلمني بهذه اللهجة، لماذا ينعتني بالهندي حين يتحدث للممرضة

***

دون جدوى أحاول أن أُفهم الجميع بأني مواطن، لهجتي الغريبة تثير الشكوك في نفسي.. لماذا لا أستطيع أن أتحدث بطلاقة وباللهجة الامارانية؟ أفعلاً أنا هو السائق أحمد الدين؟ ذكرياتي كلها تخالف ذلك.. عقلي يرفض هذا الاحتمال.. مستحيل.. مستحيل.. ولكن الجميع ينعتني بالهندي والسائق وأحمد الدين!! أأخالف عقلي وأرضى بالواقع؟ هل جننت؟ هل أصبت بما يسمى بانفصام الشخصية؟

أجد صعوبة في التنفس، ونبضات قلبي تكاد تخرج قلبي من بين أضلعي.. الأمواج تشتد قساوةً وتعلو صور الذكريات فتبدأ الصور في التبعثر.. المزرعة تغرق تحت الأمواج.. انتهى التصوير وذهب الجميع إلا أنا وحدي تحت الأمواج.. الكاميرا تغرق.. اذهبوا أنتم وسأرجع لدبي بعد يومين.. لم أنم منذ يومين.. رائحة معجون الأسنان تختلط مرةً اخرى بطعم الدم في حلقي.. إنني أغرق.. أغرق.. سمعت المرضة تقول للدكتور: السائق فقد وعيه

***

..تتابع الصور بين أمواج الأفكار المتلاطمة بدا لي منطقياً أكثر من أي وقتٍ مضى
..ذهبت لمزرعتنا في العين لاكمال تصوير المسلسل الذي لعبت في آخر حلقاته دور الخادم الهندي
..انصرف الجميع بعد انتهاء التصوير
..قررت البقاء لليلة إضافية في المزرعة فبل الرجوع لدبي
كان الجوع قد أخذ مأخذه مني فخرجت مستعجلاً ولم أبدل ملابسي، وحتى لم أغسل شعري أو أغير هيأته.. فقط أردت الذهاب للكافيتيريا لشراء بعض السندويتشات.. لم آخذ محفظتي معي.. فقد كانت الخردة في السيارة كافية

ولكن لماذا يصر الجميع على أنني السائق؟

:دخل الدكتور إلى غرفتي وعلى وجهه ابتسامة كبيرة، قال لي

كيف حال ولدنا اليوم؟

سبحان مغير الأحوال! شتان ما بين لهجته اليوم ولهجة أمس! لهجته يلفها الاحترام كما يلف الجبس رجلاي! وابتسامته تلقي بظلالها على سرٍ وراء هذا التغير..لم أجد نفسي إلا وأنا ابتسم له وأومئ رأسي قائلاً: زين في .. حمدلله

:ابتسم الدكتور قائلاً بنبرة تبريرية
يا ولدي.. حصل لبس في موضوعك.. واليوم زارتنا خالتك وبينت لنا أنك حمد ولست السائق الهندي أحمد الدين.. اعذرنا فالاسعاف لم يجدوا أي هوية معك إلا رخصة سواقة أحمد الدين التي كانت في درج السيارة! ولهجتك المكسرة وهيأتك غلّبت الظن بأنك السائق.. وبعدين الضربة في الجهة اليسرى من رأسك أثرت في المنطقة اللغوية في المخ، فأنت تعرف ما تقول ولكن تجد صعوبة في إخراج الألفاظ والكلمات المناسبة (*)، وحالتك في تطور الحمدلله..
ما هي إلا بضعة أسابيع ونخلع الجبس
!وترد تتكلم مثل البلبل انشاءالله

ليس فقط الدكتور، بل الممرضات أيضاً تغيرت معاملتهم لي.. الجميع زاد احترامهم لي وحتى إني لأرى الخوف في أعين بعضهم.. أكيد عرفوا أنا ولد منو.. لم يعد أحد يكلمني بلهجة استحقار واستعلاء، كم هو قاسي هذا الشعور بالاستعلاء عليك.. ما اكره الشعور بالغربة في الوطن! الحمدلله أني ولدت مواطناً ولم أكن هندياً.. لن أستحقر ولن أستعلي على الهنود من بعد اليوم.. ولن أنعت أحداً حتى بصفة هندي أبداً.. كلنا بشر.. كلنا بشر

***

في إحدى زيارات خالتي لي في نهاية الاسبوع الأول في المستشفى شكت لي طريقة تعامل
:موظف الاستقبال فما وجدت نفسي إلا وأنا أقول غاضباً

!!هدّي أعصابج.. ما عليج منه.. تراه هندي وما يسوى! هذا يباله طراق يعلمه قدره

... .
. (تمت)
.
ؤ
.
.
حقيقة علمية (*)


Saturday, February 25, 2006

ذكـريـات

ليـلـــــة ٌعـن ألـــفِ ليـلـــــة


البرد القارس يتخلخل في عظامي، والغيوم كأنها غاضبةٌ تصب ذاك الغضب على الأرض أمطاراً وأمطارا.. الضباب الكثيف بدوره يصارع المطر، والقطرات الغاضبة ما أن تسقط على الأرض حتى تحاول
.. الارتداد والصعود مرةً أخرى فيصرعها الضباب فتسقط منكسرةً ذليلةً بعد هيج ارتدادها

وضعت مفتاحي بالباب وأدرته يمنةً، و بيدي الأخرى حاولت فتح الباب إلا أنه كان لا يزال مقفلاً.. أدرت المفتاح مرةً ثانية وثالثة ورابعة، يمنةً ويسرى حتى طفح بيَ الكيل.. وقفت محتاراً.. إنه ثالث اسبوعٍ لي في الغربة.. كانت تلك هي أول أيامي في مدينة جلاسجو ببريطانيا، وبالتحديد في أكتوبر 1997، كنت واقفاً أمام باب بيت العائلة الأسكتلندية التي استضافتني في أول سنة، أناسٌ طيبون وخيرون.. إنها الثانية والنصف صباحاً.. لا أعتقد بأنه من الأدب في هذه الأسابيع الأولى أن أزعجهم في هذه الساعة المتأخرة من الليل بدق الجرس، أعتقد بأنهم ظنوا بأني لا زلت في البيت فقفلوا الباب من الداخل، وبمفتاحي بالطبع لا يفتح ذاك القفل.. لم تكن من عادتي أبداً السهر حتى هذه الساعة المتأخرة، وكان يضرب بي المثل في بيتهم من ناحية تنظيم الوقت وعدم السهر،حتى أن الأم كانت دائماً تطلب من ابنها (روبرت) بأن يستفيد من انتظامي.. أعذرهم فعلاً إن كانوا قد قفلوا الباب بحسن
..نية

لا أستطيع الحراك من برودة الجو، و يعتريني شعورٌ غريب بأن الليلة لن تمر بهدوء وأنها ستشتد نحاسةً باشتداد البرد.. لماذا جنيت على نفسي بالقدوم لهذه الأرض الباردة، إن كان هذا حالي في أول أزمة لي في الغربة فما هو حالي بعد سنين حين ألتحق بالجامعة وأبدأ في دراسة الطب البشري؟ يجب أن أكون مسؤولاً وأتصرف بحكمة.. أخذت نفساً طويلاً استعداداً لمواجهة المجهول.. لا أدري لماذا تذكرت في تلك اللحظة مقولةٌ كنت قد فقدتها في أحد كهوف الذاكرة القديمة.. ما أقول في
!دارٍ أولها عناءٌ وآخرها فناء

كانت تلك اللية بداية اجازة نهاية الاسبوع، وكنت قد خرجت لتوي من مقر تجمع شلتنا، شقة (ضاحي) الاماراتي، كان (ضاحي) يكبرنا سناً ويسكن في شقةٍ لوحده، أما نحن الثلاثة: أنا، و (حامد) البحريني، و (نواف) الكويتي كانت تلك سنتنا الأولى، وكنا نسكن مع عوائل مضيفة.. كنا قد اتفقنا نحن الأربعة على الذهاب إلى مدينة (بلاك بول) صباح غد.. قرر كل من (حامد) و(نواف) المبيت في شقة (ضاحي) تلك الليلة، أما أنا فاتفقت معهم بأني سأقابلهم في الثامنة صباحاً في شقة (ضاحي).. وها أنا قد رجعت لبيت العائلة، واقفاً عند الباب، محتاراً.. أعتقد أنه من الأفضل أن أرجع لشقة (ضاحي) وأقضي بقية الليلة هناك.. لا أريد أن أزعج العائلة.. سنة 1997 كانت قبل عصر ( الكل عنده موبايل)، وبطبيعة الحال لم أكن أملك أية وسيلة للاتصال بالشباب، وما كان علي الآن إلا البحث عن سيارة أجرة تقلني
..(لشقة (ضاحي

الشارع الرئيسي يبعد عن البيت حوالي الربع ساعة مشياً، كان ذلك هو خياري الوحيد على الرغم من قسوة الجو والضباب الكثيف.. بدأت بالمشي والرياح ازدادت ضراوةً، وكأنها تعاندني وتعاكسني الاتجاه، المطر يزداد غزارةً وأنا أحاول حماية زجاج نظارتي الطبية من المطر، إلا أن المطر يجد وسيلةً للوصول حيث يريد! بدأت بالجري، لعل ذلك يخففف من شعوري بالبرد.. بدأت بصعود الهضبة التي تؤدي للشارع الرئيسي.. الأرض المبتلة تخدع توازني وأسقط، ثم أنهض وأردد في نفسي: ومن لا يحب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر، ومن لا يصعد الهضبة يبيت في البرد والمطر.. الساعة قاربت الثالثة صباحاً وقد وصلت لبر الأمان.. وصلت لمحطة توقف الحافلة حيث توجد كابنية تحميني من المطر.. لم تكن هناك أية حافلات في هذه الساعة المتأخرة، ولم أملك خياراً إلا انتظار أي سيارة أجرة..وجدت نفسي أمشي في دائرة صغيرة داخل الكابينة وأطلق زفراتًٌ حارة في يدي لعل ذلك يدفؤني من البرد القارس.. الشارع يخلو تماماً إلا من سيارة يتيمة تمر ببطءٍ شديد، وأخرى بداخلها مجنونٌ يتحدى الضباب.. أين هي سيارات الأجرة؟ أما من فاعل خيرٍ ينقذني؟ ماذا لو لم تمر سيارة
..أجرة حتى الصباح؟ لا.. لن أزعج العائلة.. سأصل لشقة (ضاحي) مهما طال الانتظار

يئست من طول الانتظار وبدأت أمشي ثم أجري متجهاً نحو الشقة! رحلة الحافلة من المحطة إلى شقة (ضاحي) في نصف ساعة، كم ياترى ستستغرق رحلة الأقدام؟ لا أريد التفكير الآن.. خلايا مخي عاجزةٌ عن إجراء هذه المعادلة الحسالبية، كل ما أعرفه هو أن الانتظار دون فعل شيء سيزيد من ظلمة الليل والبرودة، وأن أسناني بدأت تصطك ببعضها وأنا غير قادرٍ على منعها! ملابسي مبتلة حتى أخمص قدمي بالماء البارد.. أنفاسي تتلاحق وعضلات رجلي بدأ الإرهاق يعييها، كنت أدعوالله من أعماق قلبي أن أستيقظ فجأةً من سباتٍ طويل وأجد نفسي في فراشي الوثير في دبي وما تكون أيام جلاسجو القليلة إلا كابوساً ينتهي فوراً.. أغمظت عيناي وأنا أجري.. الجنون بدأ يسري في عروقي.. كنت أجري وعيناي مغمضةٌ.. سأعد إلى العشرة ثم أفتح عيناي.. فعلتها.. ومرةً أخرى أغمضت عيناي وأنا أجري ثم بدأت بالعد للعشرين.. الأرض المبتلة خدعت توازني زلقت قدماي
..فسقطت أرضاً

لماذا أغمضت عيناي؟ لماذا يتخذ الانسان أحياناً قرارات غير واقعية؟ قد تستغرق رحلة الأقدام حتى الصباح! لا أعتقد بأن بدني يتحمل هذه البرودة! بدأت في الجري مرةً أخرى وأنا أقرأ كل ما أحفظه من القرآن وكل ما أعرفه من أدعيةٍ وصلوات.. اللهم أرسل لي سيارة الأجرة.. يالله! الآن فقط فهمت تلك القصة! قصة البحار الملحد الذي انقطعت به السبل وهو وحيداً في عرض البحر.. حين لم يجد أحداً يساعده وبدأ قلبه بالصراخ استنجاداً بشيءٍ أقوى من الطبيعة.. إنني أمر بنفس الموقف ولكني مسلمٌ والحمدلله.. يالله.. يالله أعدك أن لا أقرب المعاصي وأن أحافظ على وقت صلاتي.. النجدةُ
!النجدة

لاحت لي سيارة الأجرة من بعيد على الطرف الآخر من الشارع، فبدأت كالمجنون أركض في عرض الشارع ملوحاً بيدي وصارخاً: (النجدة! النجدة!).. لا أعرف إن كانت تلك الفرحة يومها تفوقها أي فرحةً أخرى.. على الرغم من حالي المزري.. إلا أن وقوف السيارة لي كان له علي وقعاً عظيماً.. هكذا يفرح الفقراء حين يأتيهم أقل الرزق حتى وإن كانوا تحت خط الفقر يعيشون.. رمقني سائق الأجرة بنظرات غريبة وهو يقول: (لقد انتهت مناوبتي هذه الليلة منذ مدة، فإن كان طريقك يصادف طريقي أخذتك وإلا فلا!).. أحمد الله وأشكره بأن وجهتي كانت في طريقه، وعلى الرغم من ريبة نظراته إلا أنه وافق على توصيلي.. لم أكن حينها أفهم اللغة الجديدة جيداً وبخاصةً لكنة أهل (جلاسجو).. سائق الأجرة كان ثرثاراً كأكثر سائقي سيارات الأجرة في هذه المدينة.. استغربت لأنه لم يسألني عن السبب الذي يجعلني أركض وحيداً في الظلمة والمطر الغزير! يقال إذا عُرف السبب بطل العجب! كل
!ما فهمته منه هو أنه ليس على علاقة طيبة مع زوجته وإن تأخر الليلة فأن شيء غير جيدا سيحصل

طلبت منه الوقوف بجاني الصراف الآلي الذي يبعد قليلاً عن الشقة، فلم تكن في محفظتي إلا ورقة خمسة جنيهات.. نزلت من السيارة وكان الجو قد هدأ قليلاً ودقات قلبي بدأت بالاطمئنان، إلا أن الصراف الآلي لم يكن يعمل، فطلبت من السائق أن يأخذني إلى الآلة الثانية، ويالعجبي لم تكن تعمل هي الأخرى! لم يسر السائق لذلك وسألني والشرار يفور في عينيه إن كانت لدي أية نقود، فما كان مني إلا أن سلمته الجنيهات الخمس بتردد.. أخذها ساخطاً على الرغم من أنها أقل عن نصف السعر، وانطلق بعيداً بعد أن شتمني! بدأت بالمشي مبتسماً نحو الشقة.. كانت الساعة قد قاربت الرابعة والنصف صباحاً حين وصلت إلى عتبة العمارة التي كان يقطن فيها (ضاحي).. دلفت من باب العمارة الذي كان دائماً مفتوحا، وبتثاقل صعدت السلالم للطابق الثالث.. جرس الشقة كان عاطلاً، وكسل (ضاحي) أثقله عن إصلاحه.. طرقت الباب بهدوء في البداية، ثم بقوة.. لا حياة لمن تنادي.. النوم سلطان! الظلمة الحالكة في الممر وصوت صفير الهواء عند دخوله من باب العمارة يشعلان الخوف في قلبي.. أخذت نفساً طويلاً واستعذت بالله من الشيطان الرجيم وطرقت الباب بقوةٍ وأنا
..أصرخ: (ضاحي)، (حامد)، (نواف).. لا حياة لمن تنادي

بدأ اليأس بالتسلل إلى عروقي، تذكرت أني حين كنت بجانب الصراف الآلي الأول مرت سيارة شرطة.. سأذهب لنفس المكان وانتظر سيارة شرطة أخرى، لعلهم يأخذوني لفندقٍ قريبٍ أو بعيد أبيت فيه الليلة، أو لعلي أجد أجرةٌ أخرى.. ما كان هدوء الجو إلا الهدوء الذي يسبق العاصفة.. ازدادت الرياح ضراوةً والغيوم الآن غاضبةً أكثر من ما مضى.. دخلت صندوق الهاتف.. لعله يحميني من البرد والمطر.. كان جسمي يرجف برداً، والخوف من المجهول قد سيطر علي.. إنها سيارة الشرطة! أخيراً! خرجت من الصندوق ولكن للأسف لم يلمحوني أبداً.. أطرقت برأسي للأرض واتجهت نحو عتبة العمارة وجلست عند الباب، أحتمي من المطر.. أغمضت عيني لبرهة وكدت أن أسقط في النوم، إلا أني
..حاولت المقاومة.. حاولت

غشاءٌ باردٌ يغطي وجهي، أرى صوراً تتلاحق، وأصواتٌ مألوفة تتلاحق هي الأخرى.. دموعٌ تدخل عيناي! ياللعجب الدموع عادةً تخرج من العين وليس العكس، رأسي يستند على شيءٍ صلب ورائحةٌ غريبة تزعجني.. أحاول الحراك ولكن يدي ثقيلة.. حركت يدي باتجاه وجهي وإذا بي أتحسس وجهي مبللاً بالماء وقطرات المطر كالإبر في وجهي.. فتحت عيناي مستغرباً.. رأسي على الرصيف! لقد خطفني النوم وألقى بي على أرضية الرصيف.. نهضت بسرعة غير مصدقٍ لما حدث.. دخلت العمارة (ونفضت ما علق بي من أخلة الرصيف! صعدت السلالم للشقة وأسندت ظهري لباب شقة (ضاحي
..واستسلمت للنوم

فتحت عيناي وإذا هي الساعة السابعة صباحاً.. لم يكن هذا حلماً بل لا زالت ملابسي مبللة! ولم تزل رائحة الرصيف تنخر في أنفي! سمعت أصوات الشباب في الشقة وكلهم نشاط وحيوية.. بدأت الحياة تسري في عروقي.. كل ما استطعت فعله هو طرق الباب والصراخ: (حامد!).. لا أدري لماذا
:اخترت أن أناديه هو دون الآخرين، لعله كان أقربهم إلي.. سمعته يقول ضاحكاً كعادته مرحاً دائما
هاذي بوعلي.. صوته وكأنه لا زال نائماً)! فتح الباب فنهضت بصعوبة وأردت أن أقول شيئاً إلا أن)
الكلمات التي خرجت من فمي كانت همهمات لم أفهمها حتى أنا.. الدهشة علت وجه (حامد) وخرجت عيناه من مقلتيها، قال في تردد: (بوعلي.. أفا والله أفا!.. تأتي هنا وأنت سكران! أنت آخر من توقعته أن يكون خماراً.. إن الرائحة النتنة تفوح منك فوحاً!) لماذا أساء الظن بي؟ لماذا؟ حاولت أن
..(أشرح له موقفي.. إلا أني لم أستطع إلا أن أتمتم: ( عيب! أعرف ربي

لا أعتقد أنه صدقني بدايةً، ولكنه أدخلني للصالة، ولم يكن (ضاحي) و(نواف) بأقل استغراباً من
..حامد).. أعطوني عدة بطانيات.. وقدم لي (ضاحي) شراباً ساخناً.. بدأت باسترداد وعيي وذهني)
لم أقوى على شرح ما حصل إلا أني طلبت من (ضاحي) ملابس بديلةً، وقلت لهم: (الله معاكم.. أما أنا فسأنام هنا الآن.. وحين ترجعون الليلة أوقظوني!) استسلمت للنوم اللذيذ أمام المدفئة.. وبالفعل كنت لا أزال نائماً حين رجعوا هم قبل منصف الليل.. أوقظني الثلاثة معاً ضاحكين قائلين :(عيب.. أعرف ربي!).. شرحت لهم كل ما حدث بالتفاصيل المملة.. ضحكت كثيراً على موقف (حامد) حين
..رآني عند الباب.. ولا زلت أضحك حتى يومي هذا كلما تذكرت تلك الليلة.. ليلة عن ألف ليلة

* * *

مرت السنين وفي آخر يومٍ لـ (نواف) في بريطانيا قبل رجوعه للكويت قال لي متردداً: (اسمحلي اذا كنا غلطنا عليك.. وإن كنت لا تزال تذكر ليلتك المنحوسة في جلاسجو.. فإنني في تلك الليلة سمعت طرقات الباب وصراخك ولكنني رجحت بأنها حلمٌ مزعجٌ و أني لن أسمح له أن يسرق مني نومي اللذيذ بجانب المدفئة.. كانت بالفعل ليلة باردة جداً!) لم يكن مني إلا أنني ابتسمت ثم لكمته بقبضة يدي بكل ما أوتيت من قوة على كتفه قائلاً: (أتمنى أن لا تنسى تلك الحادثة) لا أعتقد بأن ردة فعلي أسرته أبداً.. يستاهل! أعتقد بأنها ردة فعل طبيعية! أليست كذلك؟



Saturday, December 03, 2005

قصة قصيرة
.
الـبــــــــــــركـان


ثورتي ستقلب الموازين
وسيمشي خلفي الملايين

ويلهم ويلهم
فلينظروا عاقبة أممٍ قبلهم قبلهم

سأثور كالبركان
وأنشر الخير في كل مكان

لم يكن سفري للولايات المتحدة الأمريكية إلا البداية، هي قطرة المطر الأولى وحتماً ستتبعها زخاتٌ وزخات، وستجر بعدها أمطاراًُ تغدي سيولاً تجري في ودياناً وأخاديدأً تِبَاع. طالما هي سماء أمالي تلبدها غيوماً ملؤها رعد الخير وبرق الإيمان فإني يوماً ما سأغرقهم، سأُغرق الطغاة وأنجو بمركب الخير العظيم

اخترت كاليفورنيا لتكون محطة انطلاقتي الأولى، وما أن حطت فيها قدماي لأول مرةٍ ودخلتُ شقتي حتى بدأت فوراً بتنفيذ الخطة، بدأ بركاني بالفوران، صبراً صبرا، فالبركان سيثور يوماً وسيقلب الموازين. في يومي الأول حضرت طبخةً شهية، طبخت "مجبوس لحم" وقدمته لجاري الأشقر كبادرة طيبة وإحسانٌ للجار. أُُعجب ذاك الأمريكي (روس) بطبخي وأقسم أنه لم يتذوق طبقاً قط أشهى من طبقي! ويوماً بعد يوم توطدت علاقتنا وفاتحته عن ديني ودعوته للإسلام. تردد في البداية ولكنه أسلم بعد عدة أسابيع، وكانت تلك الخطوة الأولى

بدأت دراسة الماجستير في الجامعة بعد شهرين من وصولي، وأُعجب جميع زملائي بحسن تعاملي ودماثة أخلاقي، ثم انتخبوني لأمثلهم في الهيئة الطلابية، ها هو الحلم يتحقق، ها أنذا أنجح بل وأتصدر أول انتخابات أخوضها. مهلاً أيها البركان مهلا، صبراً جميلاً، وحُلماً حكيما

عجيبٌ هو الشعب الأمريكي، تهمه الماديات ويضعها فوق كل شيء، ولولا صيامي كل جمعةٍ لكان الشيطان أغواني منذ زمنٍ بعيد. ما أقسى الحياة هنا، وما أقساها..القسوة والشدة تصنع الرجال، ولكن حتى القسوة قد تنقلب إلى جحيمٍ أليم، وتحول الإنسان إلى شخصٍ عقيمٍ سقيم، لا ينتج ولا يحسن التفكير

إحدى زميلاتي في الجامعة (عبير)، كانت دائماً ترمقني بنظراتٍ تخفي وراءها الكثير، حاولت وجاهدت لكي أتجنب النظر إليها، ولكن هيهات هيهات، شيئٌ غريب جذبني إليها، وذات يوم قررت أن أفاتحها بما كان يدور في خلدي منذ فترةٍ طويلة. أصولها شرقية، ولكنها ولدت وترعرعت في كاليفورنيا. متدينةٌ مسيحية كاثوليكية، وتذهب للكنيسة مع عائلتها كل يوم أحد. لم تكن من صنف النساء اللواتي يتأبطن أذرع الرجال في وسط بهو الجامعة، ولم تدخل يوماً إلى ملهاً ليلي أو تقرب الخمر أبدا. كانت هي المفتاح الذي سألوج به إلى دار المجتمع المسيحي المتدين، فعن طريقها سأهديهم إلى الحق وبوقوفهم في صفي وبإيمانهم بمبادئي سيثور البركان ويعم الخير في كل مكان

لم أفاتحها في الموضوع فقط لأنها المفتاح السحري، بل فعلت كذا لأني كنت معجباً بها وباجتهادها في الدراسة واهتمامها الكبير بحقوق الإنسان. في ذاك اليوم انتظرتُ حتى نهاية المحاضرة، وخروج جميع الطلاب، كانت هي دائماً آخر من يخرج من القاعة، اتجهت نحوها بخطوات ثابتة، وصارحتها بشديد إعجابي بها ورغبتي في مقابلة أباها للارتباط بها رسمياً. كان كلامي نابعاً من صادق إحساسي، وعيناي كانت تبحث عن في عيناها عن مستقبلٍ مشرق وحلمٍ كبير. وكأني أرى الإجابة في عينيها قبل أن تتحرك شفتيها! وقعُ كلامي عليها كان كزلزالٍ عبث بأفكارها وأحاسيسها فصارت نظراتها مبعثرةً في كل مكان، يمنةٌ ثم يسرى وعلامات الذهول تتفجر في ملامحها! ذُُهلت هي في البداية، ثم مالبثت أن قالت لي بأنها تبادلني نفس الشعور ولكن أباها قد لا يوافق لأني مسلم، ولكني زدت إصراراً على مقابلة أباها

اقترحتْ هي أن تمهد لي الطريق قبل المقابلة واتفقت معها أن أقابل أباها بعد شهرٍ من ذاك اليوم. وقبل موعد اللقاء باسبوع اتصلت بي وأخبرتني الكثير الكثير عن أباها ومبادئه، كل ما قالته كان يزيدني إعجاباً وتعلقاً بها، إلا ماقالته في النهاية! أنهكني الأرق في تلك الليلة وأنا أفكر فيما قالته.. (أبوعبير) له الكثير من الأصدقاء المسلمين وكلهم حليقي الذقن، ولسببٍ ما فأنه لا يحب المسلمين ذوي اللحى وحتى إن كانت مهذبةٌ قصيرة، ولذلك طلبت مني (عبير) أن أحلق لحيتي في اليوم الذي أقابل فيه أباها، حاولت أن أبين لها أن شكل الانسان لا يهم بل فكره هو الذي يعبر عن حقيقة شخصيته، ولكنها حذرتني، وهي أعلم بكيفية تفكير أبوها

كيف أحلق لحيتي التي لم تفارقني قط؟ كيف وهي شعارٌ أعتز به؟ الحياة عبارة عن تضحيات وإن كانت التضحية في سبيل الخير وفي سبيل البركان فلمَ لا؟ وبالفعل من أجل ثورتي التي ستقلب الموازين ومن أجل أن يتبع فكري المسيحيين ذهبت لمقابة (أبوعبير) حليق الذقن

وكأني أرى الملايين وهم يهتفون لي في حماسٍ منقطع النظير، وكأن بي أرى قوماً أخذهم الطوفان وأن من بينهم منتصرٌ عزيز

أقولها بكل صراحة.. استغربت كثيراً من مدى تقبل (أبوعبير) لي ومن موافقته بعد ثالث مقابلة على ارتباطي بـ (عبير). عرفت من خلال طول أحاديثي معه أن أخاه الأكبر (أبو سليم) هو كبير العائلة وأقواهم نفوذاً.. (أبوسليم) كان من أعيان كاليفورنيا وعَلمٌ من أعلام العرب فيها، وكم وددت مقابلته ومناقشته، فها أنذا قد فتحت باب هذا المجتمع بارتباطي بـ (عبير) وصعدت السلالم من خلال حلق لحيتي وتوطيد علاقتي بجميع أفراد عائلتها، ولم يبقى إلا أن أوطد علاقتي بكبير تلك العائلة وضمه لصفي ومن وراءه أتباعه كلهم.. لطالما أخبرتني (عبير) عن حكمة عمها (أبوسليم) وحبه الشديد لأفخم أنواع السيجار الكوبي، فما كان مني إلا أن أجريت بحثاً مفصلاً عن تاريخ السيجار وأنواعه، وأهديت (أبوسليم) سيجاراً ضخماً حين مقابلته لأول مرة. أعجب بي هذا الرجل العظيم إعجاباً شديدا ودعاني لحضور حفلٍ يجمع الكثير من أعيان كاليفورنيا ذوي الأصول العربية.. ضايقني أن تلك الحفلة ستُوزع فيها الخمور وتتبرج فيها النساء، ولكن حضوري كان مهمٌ جدا، فهم الوقود الذي سيثور به البركان، يجب أن اتعرف عليهم ومن ثم سأجد الطريق لهدايتهم وحتماً سيقفون في صفي حين أثور، سيقفون مع الحق ضد الباطل، سيساهمون معي في انفجار البركان ونشر الخير في كل مكان

ذهبت للحفل في كامل أناقتي وعرفني (أبوسليم) على الكثير من الشخصيات المهمة وطبقات المجتمع المخملي، كان بين هؤلاء أعز أصدقاء عمدة كاليفورنيا ( خليل الأبيض)، رجل أعمال شهرته تعدت أسوار كاليفوبنيا وشركاته ذات صيتها في أقاصي الأرض، ها أنذا بمصافحته أصل للقمة. كنت قد تقدمت بطلب الحصول على الجنسية الأمريكية منذ مدة ورُفض طلبي، وقال لي (أبوسليم) حينها أن الرقم السحري لفك هذه المعادلة الصعبةهو (خليل الأبيض)، وحين مصافحتي له، كنت أبحث في وديان عقلي عن وسيلة لكسب هذا الرجل والحصول عن طريقه على الجنسية وتحقيق أحلامي في ثورة الملايين، شعرت برجفة باردة تسري في عروقي وتجمدت أمام هذه الشخصية الكبيرة.. لم أستطع أن أرد (خليل الأبيض) حين عرض عليّ أن أجرب السيجار الذي يفضله، ترددت إلا أنها كانت الطريقةً المثلى للدخول لقلبه، ويالعجبي!! لقد أعجبني طعم السيجار، وفي نشوتي تلك طفقتُ أحدث (خليل الأبيض) عن تاريخ السيجار وكل ما أعرفه تفصيلا، ومن حديث السيجار إلى أحاديثاً أخرى.. هاهي أبوب الثورة وكأني أرها ترحب بي، أبواباً ستقودني يوماً للنصر والبركان والقضاء على قوى الشر والطغيان

مرت السنين في لمح البصر، عشر سنينٍ قضيتها من عمري هنا، وحلمي وبركاني يكبر كل يوم، وفي كل يوم كان (خليل الأبيض) يعجب بي أكثر وأكثر.. عرض علي العمل في إحدى مؤسساته، ولكني رفضت، وكان رفضي عن قناعةٍ بمبادئي الراسخة.. عرض علي العمل في إحدى شركاته الربوية، وأنا لا ألوث دمي ودم عائلتي بكذا أموال.. لم أخبره بالسبب الحقيقي لرفضي كي لا يؤثر ذلك في علاقتي به لأي سببٍ من الأسباب، وكان عذري له ارتباطي بعملي الحالي في الجامعة وبعض المنظمات الحقوقية وجمعيات العمال، ولم يزده رفضي إلا تمسكاً بي أكثر وأكثر.. وفي يومٍ من الأيام دعاني (خليل الأبيض) للعشاء في بيته

كدت أن أحلق فرحاً وأنا أدخل مع زوجتي (عبير) بيت السيد (خليل الأبيض)، أدخل بيته وأنا نائب عميد كلية الإدارة والاقتصاد، ومسؤول العلاقات العامة في جمعية بذور السلام، وفوق ذاك كله حاملاً للجنسية الأمريكية.. بعد العشاء الفاخر دخلت مع (خليل الأبيض) مكتبه الفخم، وبدأنا مع نشوة السيجار نقاشاتنا العميقة في كل شيء، سياسة، اجتماع، اقتصاد، كل شيء، والبركان فيّ يفور، لقد توطدت علاقتي به وحين اجتمع به في بيتي الجديد سأبدء تدريجياً بعرض الاسلام عليه.. سيأتي ذاك اليوم قريباً.. سيأتي

في نهاية تلك الليلة، طلب مني (خليل الأبيض) السفر معه إلى منهاتن، فهو سيقابل هناك شريكٌ جديد وحضوري بالنسبة له مهمٌ جداً! لم أرفض طلبه، بل قبلته دون أن أسأله عن السبب في رغبته لوجودي معه.. ألغيت جميع مواعيدي من أجل هذه السفرة، واعتذرت من ابنتي لأني مظطرٌ للغياب عن حفل تكريمها في المدرسة، وحلقت مع (خليل الأبيض) متجهين نحو منهاتن، وفي الأجواء.. أخرج رزمة أوراق من شنطته الفاخرة ووضعها أمامي! إنه يعرض علي أن أكون المسؤول المباشر لجميع مؤسساته، أي أنه يعرض علي أن أكون ساعده الأيمن، وبمبلغٍ يسيل له لعاب كل الأغنياء، لم يدع بذلك أي مجالٍ للرفض، فهو بهذا العرض قد حاز على موافقتي قبل توقيعي على العقد، كيف لا أوافق وموافقتي ستجعلني عَلَمٌ من أعلام كاليفورنيا

هبطت الطائرة، ومباشرةً اتجهنا نحو الفندق حيث سنقيم اسبوعاً كاملاً، وحيث سنقابل الشريك الجديد، الآنسة (لورا). أول مافعلته حين وصولي للفندق هو تقديم استقالتي عن طريق الفاكس لكل المؤسسات التي كنت أعمل بها، حتى أتفرغ تماماً لعملي الجديد، فلم تعد لتلك المؤسسات أية أهمية وأنا ساعدٌ أيمن لهذا الرجل العظيم

كانت صاعقةً رهيبة تلك التي عصفت بي حين دلفت (لورا) لبهو الفندق، إنها قمة في الجمال والأناقة، وحتماً قمة في الذكاء فهي تصغرني سناً وتملك ما يقارب ثروة (خليل الأبيض)، إنها صنفٌ يندر وجوده، وإن آمنت هي بي وبأفكاري سيقترب موعد الثورة ويغدو قاب قوسين أو أدنى.. كلهم سيتبعوني.. كلهم.. (أبوسليم)، (خليل الأبيض)، و(لورا)، صبراً صبراً أيها البركان، فالانفجار سيمتد أثره في كل مكان.. هاهي (لورا) تقترب.. إني أرى الصليب ينتصف قلادتها، مسيحيةً هي إذن، لماذا لا أتزوجها وأصعد سلالم الطبقات الاجتماعية في نيويورك كما فعلت في كاليفورنيا، سيزيد ذاك من الملايين التي ستقلب الموازين

صافحها (خليل الأبيض) وقبل يدها، وما كان مني إلا أن تبعت فعله وقبلت يدها، لا مانع من ذلك فهذه هي عاداتهم وتقاليدهم وأنا لا أبتغي إلا خيرا، جلست معنا وكل دقيقةٍ قضيتها بجانبها كانت تزيدني بها إعجاباً وتدفعني للزواج منها دفعا

في يومنا الثالث في منهاتن، تم الاتفاق على بنود الشراكة، وكنا قد حققنا مكاسب عدة بفضل حنكتي ومهارتي في التفاوض، كنت بهذه المناورات أضرب عصفورين بحجر واحد، فأنا أكسب (خليل الأبيض) و(لورا) معاً، وإني لأقرأ في بريق عينيها إعجابها التدريجي بي.. قرر (خليل الأبيض) الاحتفال بمناسبة توقيع الاتفاق وطلب أغلى ما كان لدى الفندق من شراب، لم يروق لي الجلوس معهم حين احتساءهم للخمر، فجليس الخمر كشاربه، ولم أرى (خليل الأبيض) يشرب قبل هذا اليوم كما شرب في تلك الليلة، أما أنا فكان السجار رفيقي وحدودي في هذا المجتمع

في اليوم التالي دعتنا (لورا) للعشاء في شقتها التي تعتلي السحاب، واعتذر (خليل الأبيض) عن الذهاب، فقد أصاب بوكعةٍ صحية بعد شربه حتى الثمالة في الليلة السابقة، وكانت هذه فرصة سانحة لكي أضم (لورا) في صفي، وإن سارت الأمور على حسب خطتي فإني سأعرض عليها الزواج في هذه الليلة! ذهبت لوحدي لشقتها الفارهة وكانت (لورا) رسمية جداً في تعاملها معي ولم تكن تلك التي رأيتها ليلة أمس، لم تكن تلك التي كانت تضحك وتتكلم بروحٍ مرحة دون قيودٍ أو رسميات

وجدتها!! ما كان مرحها ليلة أمي إلا بتأثير الخمر، وأعتقد بأنها لم تضع الزجاجات الكحولية على طاولة الطعام إلا احتراماً لي ولعقيدتي.. بعد العشاء كان الجو يشير إلى أنه عليّ الخروج من شقتها قريباً، ولكن كيف أخرج من هنا وأنا لم أنل ما أريده بعد؟ فما كان مني إلا أن قلت لها بأني لا أمانع إن هي أرادت أن تشرب الخمر! علت الدهشة وجهها، إلا أنها ما لبثت أن سقت لنفسها كأساً وخرجنا معنا للشرفة نتبادل أطراف الحديث.. كم هي أرق وأحلى حين تجري فيها تلك الروح! بعد أن انتهت من كأسها الأول، أحضرت لها الزجاجة وسقيتها كأساً ثانٍ، وثالث، ورابع، ولا أدري كيف ومتى وأين وجدت الكأس في يدي وأنا أترنح يمنةً ويسرى، قلت لها بأن أحلامي كبيرة وأني سأقلب الموازين يوماً وسيمشي خلفي الملايين، ضحكت بجنون وقالت بأن الجميع يحلم، وما أحلامنا إلا أعذار تقود أنانيتنا نحو المجهول. لم أستوعب كلامها، كنت أضحك بسببٍ وبغير سبب ولم أنتبه إلا وأنا أستيقظ في فراشها الوثير! لا أتذكر كيف انتهت الليلة، ولعلي لا أريد أن أتذكره.. شعرت بذنبٍ كبير ولكن اللذة التي غرقت فيها ليلة أمس كانت أعظم من شعوري بالذنب.. أعظم بكثير

علم (خليل الأبيض) بسواد فعلي وفعالي مع (لورا) وألغى عقد عملي معه! لم يكتفِ بذلك فقط، بل أخبر (أبوسليم) بخيانتي لابنة أخاه، فانقلب الجميع ضدي! أصبحت عاطلاً بلا عمل، والشائعات كثرت من حولي، ونبذني كل من له علاقة بعيدة أو قريبة من (خليل الأبيض) وعائلة (أبوسليم).. رفعت زوجتي قضيةً تطالب فيها بحق حضانة ابنتي الوحيدة.. حتى (لورا) تجاهلتني تماماً بعد تلك الليلة، فلم يعد يهمها أمر شخصٍ عادي لم يعد له أية نفوذ أو سلطة، ولا حول له ولا قوة.. كيف لا يكون لي قوة وأنا أملك من الأحلام ما يشيب لهوله الولدان

فقدت أحساسي بالزمان والمكان.. ولا أدري كم مضى من الوقت وأنا كل ليلةٍ في فندقٍ آخر وحانةٍ أخرى، والسيجار دائماً يرافقني، أدمنت على شرب الخمر في أرخص الحانات وأقذرها، وقربت من حافة الإفلاس، ماذا جنيت منذ قدومي هنا؟ كل ما فعلته كان في سبيل الشهرة وإرضاءً لغروري، ولم يكن بركاني أو أحلامي إلا طيفاً أتلذذ به كلما أحتجته وكلما أردت اقناع نفسي بأنني أملك مبادئ سامية.. لم أجنِ شيئاً، لم أجنِ شيئا

في إحدى زوايا كاليفورنيا القذرة أرتجف برداً، وأتضور جوعاً، لا أقدر على الحراك من ثمالتي.. هناك من يقترب مني شيئاً فشيئا، ماذا يريد هذا الأحمق؟ ألم يكفهم ما فعلوا بي؟ أو بالأحرى ألا يرى مافعلته بنفسي؟ لا أعتقد أنه يستطيع أن يحيلني إلى خرابٍ أكثر من ما أنا فيه.. مهلاً إني أعرفه، ولكن شيئاً ما طرأ على ملا محه وغيرها، إنه.. إنه جاري القديم.. جاري الذي أسلم على يدي.. إنه (روس).. إنها قطرة الخير الوحيدة التي جنيتها، إنه العمل الوحيد الذي كان خالصاً لا يشوبه رياءً أو نفاقا.. أخذني معه لنفس الشقة القديمة، وأكرمني.. اغتسلت ولبست ما أعطاني من ملابسه، وقدم لي طبقاً علمته ذات يوم كيفية تحضيره.. "مجبوس لحم"، يااااه.. الحنين يقطعني لأرض الوطن، هجرت أهلي ومعارفي وكل أحبابي في أرضنا الغالية، قطعت صلة القربى بيني وبينهم، لا لشيء إلا جرياً وراء طيف حلمٍ بعيد

أغدق (روس) عليّ كرماً، ودفع من ماله الخاص لتذكرتي للوطن.. لن لأنسَ له هذا العرفان أبداً أبدا

!وانفجر البركان
..لم يؤثر في أحدٍ أبدا، فما قدمته من تنازلاتٍ وتنازلات كان قد ملأ فوهة البركان و أحكم اغلاقه
! وحين انفجاره لم يحترق إلا من كان بداخله.. صاحب البركان.. لم أحترق إلا أنا.. كم أنا أحمق

!ساورني حلم الملايين وقلب الموازين مرةً أخرى وأنا أهبط في أرض الوطن
..لا.. لا.. لست مغفلاً
..كل ما أريده الآن هو البكاء.. في حضن أمي
... .
.
.
(تمت)




Friday, August 19, 2005


قصة قصيرة

خذوا الحكمة من أفواه المجانين




شاربه كثٌ أبعد ما يكون عن التنسيق
ذقنه اعتكف وطلّق المقص ثلاثاً منذ زمنٍ سحيق
طويل القامة هو ونحيل، رأسه غزاه التصحر وصلعته كلها بريق

حين يجلس بيننا لا أستطيع أبداً أن أتكلم معه في موضوعٍ مفيد
ليس بجاهلٍ هو أو مغرور، بل يقرأ الكثير وعلمه غزير، وابتسامته دائماً تدل على أنه سعيد
لم أتحدث معه يوماًً في مجالس الأصدقاء، ودائماً أجلس في الزاوية المخالفة له لأكون عنه أبعد بعيد

لا أحد يكلمه أبداً، وحتى إليه لا ينظرون
!فقط وجوده بيننا يبعث فيّ الاطمئنان والسكون
!ولسببٍ أجهله الجمعُ دونه مللٌ لا يطاق ولا يكون

..لا أحد يكلمه أبداً
حتى حين دخوله وخروجه من مجالسنا يتجاهله الجميع
فقط يجلس في زاويةٍ، وبنظراته الغريبة يدرس الجميع

لا أحد يعرف عمره الحقيقي
!غير اسمه عدة مرات ولم أعد أعرف كنهه! أهو صالح أم مصلح أم هو صلّوح

!في كل مرةٍ بعد خروجي من مجالس الأصدقاء كان يهاتفني هذا النحيل
!في بداية الأمر حاولت تجاهله، ولم أطق تعليقاته وأفكاره وما بين كل ذلك من عويل
كلامه كان يبدو لي فريباً من الجنون إن لم يكون هو بعينه الجنون، ولمدةٍ من الزمن اعتقدت بأنه مريضٌ عليل
ولكن مع مر الشهور بدأت أفكاره تروق لي بالرغم من تطرفها، وآمنت بأنها لخلاص أمتنا السبيل

صرت أكلمه عبر الهاتف كل يوم
أما في المجالس فسلوكه لم يتغير مع القوم

يحكي قصصاً من التاريخ الأغبر ويقول الكثير
يتكلم في السياسة والاقتصاد والدين، حتى علم الذرة، يفقه فيه الكثير

أحياناً أعتقدُ بأنه بآرائه أقصى كل الفلاسفة والعباقرة
وأحياناً أخرى أكاد أجزم بأنه مجنون وكل ما قاله ما هو إلاّ تفاهةٌ عابرة

غريبٌ هو بل عجيب أمرهُ
فقط يكفي وجوده وسكوتهُ

سافر يوماً إلى القاهرة وبعث لي دون الجميع صور زفافه في الصعيد
قال لي في آخر محادثة بأنه يحتاج لمائة ألف درهمٍ، قرضٌ بين الأصدقاء بسيط

ومرت الأسابيع والشهوروالسنين
لم يحادثني، افتقدته وشدني إليه الحنين

لم يسأل أيٌ من الأصدقاء عنه
ولم يتكلم أحدٌ عنه

وبعد سبعة سنين، أصابتني عاهة التفليس
تذكرته!! تذكرت من كان بيننا يوماً جليس
مائة ألفٍ بها هو لي مدين. سأبحث عنه وعن مالي الحبيس

!سألت من استطعت الوصول إليه من أصحاب (الشلة) القديمة.. لا يتذكره أحد
!ياللمسكين.. ظلمناه لدرجة أننا لا نتذكرأنه يوماً قام بيننا وقعد

كان يشكي لي أحياناً عدم وجود رفاقٌ له سواي
مسكينٌ هو لم يفهمه ولم يقدره أحدٌ سواي

ظننت بادئ ذي بدءٍ أن العثور عليه أمرٌ يسير
فسألت عنه وسألت عنه الكثير
وبعد بحثٍ طويل وعناءٍ مرير
رجعت بخفي حنينٍ وتعجبٍ كبير

لم أجد أي خيطٍ يدلني على صاحبنا المجنون
قررت ابلاغ مركز الشرطه فلعلهم بمكانه يعلمون
سألتهم عن صالح ومصلح وصلّوح وكل اسمٍ لعلهم عليه يعثرون

قالوا لي إن هذا الاسم وهذه المواصفات ليس لها وجود
لم يسكن في المدينة أبداً رجلٌ بهذه المواصفات لعدة عقود

راجعت بريدي الألكتروني ففيه عنوانه.. حتماً هو السبيل الوحيد
لم أجد أية رسالة باسمه! أين اختفت رسائله وأين هي صور الصعيد؟

قدمت شكوى رسمية في المحكمة.. أخائنٌ هو لعهد الصداقة أم ناسٍ للّدين؟
لم تجد المحكمة أية أدلة على وجود هذا الغريب. أين وكيف اختفى أين؟

ذهبت للبنك لآتي بالدليل القاطع والمتين
إثبات تحويلي له النقود قبل سبع سنين

استغرب موظف البنك! لا وجود بالسجلات لذلك التحويل
أنصّابٌ بارعٌ هو ذاك المجنون؟ هل استطاع فعل المستحيل؟
هل استطاع مسح كل الأدلة ولم يبقى له أثرٌ حتى أقل القليل؟

أين اختفى؟ أبلعته الأرض أم جنٌ بيننا كان يعيش؟

..ثارت ثائرتي
قمت بكتابة الرسائل لكل الصحف والمجلات التي خطر ببالي اسمها
تقدمت بشكاوٍ لجميع المحاكم الدولية وقضاتها

لم تعد أموالي المفقودة تهمني أبداً.. فقط أريد الوصول إليه.. فقط لا شيء آخر.. سأجده وإن كنا الطريق محفوفاً بالمخاطر
زوجتي هجرتني إلى بيت أبيها وقالت عني مجنونٌ مكابر
قلت لها بأنها مشكلةٌ تمر في حياتي عبور عابر
وإنني سوف أصل إليه حتى وإن كان بين المقابر

!ويالعجبي
!ودهشتي
فعلتها زوجتي.. فعلتها
نفذت وعيدها.. فعلتها
!الشرطة وإخصائيين من المستشفى فدموا إلى المنزل لأخذي للمصحة العقلية
أين أنت يا صلّوح لترى ما فعلت بي البشرية! أمجنونٌ أنا أم هي أزمةٌ عقلية؟

قاومت.. بكل بسالة
قاومت.. بلا فائدة
قاومت.. ولكن الحقنة المخدرة كانت أقوى مني بكثير

بعدعدة مقابلات
وبعد أن تجرعت من أدويتهم جرعاتٌ وجرعات
!قالوا لي بأني مصابٌ بمرضٍ عقلي وأعيش في كوكبةٍ من التخيلات

شيزوفرينيا يسمى هذا المرض، والمصاب به يرى ويسمع أشخاص لا وجود لهم إلا في أفكاره وتخيلاته
كل الأدلة وعقلي يشيران إلى صحة استنتاجهم. لم يكلم صلوح يوماً أيٌ من (الشلة) ولم يرىً أحداً منهم شخصاً بمواصفاته

صالح أو صلوح أو أياًكان اسمه هو مجرد تخيلات صنعها عقلي وفرضها على الواقع
يالصعوبة تصديق ماتؤمن بعكسه مهما تضاخمت الأدلة والبراهين على أرض الواقع

لا أستطيع تصديق ذلك بالرغم من كل ما توفره الأدلة من كرم
أيعقل بأني آمنت به وبأفكاره وهو جزءٌ لا يتجزء من العدم


مجرد أوهام وتخيلات

لم تكن حقيقةً يوماً، وبالرغم من ذلك أفكاري بها تشبعت
هل يعقل أن ما آمنت به يوماً وكان في فكري قدساً أضحى مجرد فقاعة تبخرت
ولماذا لا أشعر بالسعادة لأن اليوم عيني على الحقيقة تبصرت؟

أعرف العديد من الأشخاص الذين يتجاهلم الجميع.. قد يكونوا تخيلات
مجرد فقاعات
سرابٌ وتراهات

فقاعات لا زلت أؤمن بها
وإن لم أميز الحقيقة من السراب، سوف أنخدع وأمشي خلفها

ما هو السبيل للخلاص من هذا الجنون؟
أم ياترى أنا عاقلٌ وكلهم مجانين في غيهم يعمهون؟

هزيمةٌ هي لغروري وانكسار
يالكثرة العبر، ويالقلة الاعتبار


(تمت)



Sunday, August 07, 2005

قصة قصيرة

فاتـنـــــة مـنـتـصف اللـيـــــــل




..ثوانٍ وينتصف الليل
الإشارة الضوئية الحمراء أمامه عندئذٍ ستتحول إلى صفراءٍ متقطعة، وستبقى كذلك حتى تمام السادسة صباحاً

هو في سيارته واقفاً عند تلك الإشارة الضوئية على طرف الدوار
كان لتوه قد أنهى مناوبته الليلية
منهكاً.. يصارع النوم الذي يحايله

..الوقت يمر ببطءٍ شديد
..ولون الإشارة الضوئية وكأنه نجمٌ بعيد

..يداه على عجلة القيادة وعيناه على الإشارة الضوئية
..نظر إلى ساعته
..عشر ثوانٍ باقيةٍ على انتصاف الليل.. تسعة.. ثمانية.. سبعة
!لا شعورياً التفت إلى اليمين بتثاقل ولا مبالاة لينظر لمن يجلس في السيارة التي بجانبه، فرآها
!ما أجملها
!نظراتها غريبة.. انها تبتسم له
..التفتت هي للأمام في خجلةٍ ثم لم تلبث أن زحفت عيناها في خجل لتصافح عيناه

أحس بأن نظراتها وابتسامتها كلمته وقالت سلاماً
انتزعت النوم منه انتزاعاً
روته نشاطاً

!نزّلت هي نافذة سيارتها وقالت شيئاً لم يسمعه
..كانت عيناه مبحلقةً في جمالها الفاتن.. تَمَلّكهُ الذهول

!علامات الاستغراب طغت على وجهها، إنها تكلمه، تقول شيئاً، ولكنه لا يحرك ساكناً
!عيناها تبحث في عينيه عن السبب الذي يجعله ينظر إليها هكذا ومن ثم لا يكلمها

!أذهله جمالها الصارخ، وكأنه يعيش حلماً
:حلمٌ مليءٌ بالتساؤلات

هل يعقل أنها أعجبت بي؟
،قد تكون سيارتي الفارهة أثارت إعجابها
!أو قد تكون لحيتي التي أجاد الحلاق في ضبطها ملفتةٌ للأنظار
"بالفعل شكلي "راهي

!هل هي أوروبية؟ قد تكون لبنانية
!من يدري قد تملك جوازاً خليجياً
!كل شئ ممكن في هذه الأيام
!قد تكون روسية!! لا لا لن أكلمها.. بالفعل قد تكون روسية
..ولكن هذا الوجه البرئ، وهذه البشرة الناعمة، وكل الدلال الذي يفيض من عينيها
!طبق الذهب لا يأتي إليك بنفسه.. ولكن اليوم أتى إليّ، وكلمني

!إن لم أكلمها سأندم غداً، وإن كلمتها فميزان سيئاتي سيثقل
كفانا حرامٌ في هذه الدنيا
..كفانا معاصي
،لعلي إذا كلمتها أهديها إلى الحق وتسلم إن لم تكن مسلمة
!ولعلي أكون سبباً في ارتدائها الحجاب إن كانت مسلمة

..لعنة الله على إبليس.. ما أخبثه
!!لا يهم سأكلمها مهما كانت العواقب

..أخيراً.. متأخراً..ً قرر أن ينزّل نافذة سيارته ليكلمها
!ما أن وضع يده على الزر المخصص لتلك النافذة إلا وكانت هي قد تحركت

!انتبه لوضعه.. لقد تحولت الإشارة الضوئية إلى صفراء متقطعة منذ مدةٍٍ
..أبواق السيارات من خلفه غاضبة

!يجب علي أن أتحرك حالاً

حركت سيارتي بسرعة لألحق بها غير مبالٍ بالجموع الغاضبة من خلفي
..يجب أن لا تضيع مني
..يجب أن لا أضيع هذه الفرصة

سوف أتبعها بهدوءٍ وأترك مسافةً لا بأس بها بيني وبينها
لا أريد أن أبين لها شديد إعجابي بها

:هكذا هم النساء كما يقول أحد أصدقائي
،إنْ أنت أقنعتهم بأنك غير مبالٍ ٍبهم يفعلنّ المستحيل لإرضائك
!وإن أنت أكرمتهم تمردوا وسيطروا

هل يعقل أن تكون هذه النظرية صحيحة؟ هل جميع النساء هكذا؟
لا لا يمكن.. مستحيل.. عندما أتزوج عليّ أن أحسن معاملة زوجتي ولن أنتبه لهذه النظريات التافهة
أما هذه الفاتنة صاحبة السيارة الحمراء، فسأطبق عليها هذه النظرية.. وحين أقف بجانب سيارتها عند الإشارة الضوئية القادمة، سأكلمها بكل ثقة، وكأنني غير مبالٍ بجمالها

..ها نحن نقترب من الإشارة الضوئية
لماذا تتسارع نبضات قلبي؟
ولماذا الجفاف يغزو فمي؟
:عشرات الأسئلة تعصفُ بي

ماذا أقول لها؟
عيناك جميلتان؟
أم أعلق ساخراً وأحاول رسم بسمةٍ على شفتيها؟
ربما من الأفضل أن أبدأ المحادثة باللغة الانجليزية، أم العربية؟
أهناك أحدٌ من معارفي وأقاربي هنا؟
قد تتحول هذ الحادثة البسيطة إلى فضيحة، كيف سأتصرف عندئذٍ؟
لماذا لا أتخيل عواقب الأمور إلاّ بعد اتخاذ القرار؟
هل بالفعل سأندم إذا لم أكلمها؟
هل ستخاف هي إن كنت أنا صريحاً جداً؟

..عواصفٌ من الأسئلة المتتالية

!قبل وصول سيارتها عند الإشارة الضوئية، أضاء اللون الأخضر، فأطلق هو تنهيدة ارتياح

..ياااه! لم أكن مستعداً لهذا الموقف
يجب أن أتمالك نفسي وأتصرف بعقلٍ ورزانةٍ أمامها، ولكن.. لماذا أصبغ تصرفاتي بتلك المثالية؟ ألرضاها أفعل ذلك؟ لماذا لاأكون طبيعياً جداً معها وكأني أكلم أحد أعز أصدقائي؟

..لاحت لي من بعيد محطة وقود.. يالها من فكرة
..سأتقدم عنها وأدخل المحطة بسيارتي، إن هي تبعتني سأتأكداً حتماً بأنها معجبة

أطلقت العنان لسيارتي
..تجاوزت سيارتها دون النظر إليها
..دَخَلتُ المحطة وعيناي متعلقةٌ بالمرآة تراقب سيارتها.. إنها بعيدة ولا أكاد أن أميز ملامحها
..ذهبتُ إلى ركنٍ مظلم في المحطة وتظاهرت بالانشغال بهاتفي النقال
!تبعتني هي وأوقفت سيارتها خلفي تماماً، ثم نزلت من السيارة

!إنها تتجه نحو سيارتي.. نحوي
كيف أرد عليها كيف؟
..المهم أنها معجبة وأتت إليّ بنفسها
..عدت لأتظاهر بالانشغال بهاتفي، إنني أراها بطرف عيني وهي واقفةٌ على عتبة نافذتي
!تجاهلتها! لا ادري لماذا
!هاهي تمد يدها لتطرق على النافذة.. إنها حقاً معجبة.. معجبة جداًً
..شعرت بنفحةٍ من الغرور والعظمة حين طرقت هي النافذة
.التفت إليها وتصنّعت الدهشة والاستغراب وكأنِّي لم أراها من ذي قبل
: أنزلتُ النافذة، فقالت هي بعفوية

(مرحباً)

!لهجتها لبنانية خالصة! في منتصف العشرينات.. صيدةٌ لا تُعوَّض
:تظاهرت باللامبالاة وقلت بتكاسلٍ وغرور

(مرحبتين)

:ابتسمت ووجهت نظراتها مباشرةً لعيناي. قالت

،فقط أردت أن أشكرك على الخدمة الجليلة التي قدمتها لي)
كان هناك الكثير من المتسكعين الذين يلاحقونني بسياراتهم، ووجودك خلفي أفزعهم فتخلوا عن إصرارهم بملاحقتي
(..إنهم مزعجين جداً

!خُيِّل لي أنها توجهت بنظراتها نحو كتفي الأيسر، أو تحته بقليل
!كأنها تحدق في شيءٍ أو تقرأ شيئاً ما
:ثم أردفت قائلةً

(!شكراً جزيلاً حضرة الملازم جاسم)

ماذا؟ كيف؟
كيف عرفت يا ترى؟
!وقعت عيناي على المرآة الجانبية التي كانت تقف هي بجانبها
رأيت فيها انعكاساً لوجهي
لقبعتي
!وبدلتي الرسمية

كيف نسيت أني لتوي أنهيت مناوبتي الليلية في مركز شرطة المدينة ولا زلت بلباس الشرطة؟
:تداركت نفسي، قلت بلهجةٍ صارمة

(عفواً سيدتي العزيزة، لا شكر على واجب، الشرطة في خدمة الشعب)

..ابتسمت هي وأمأت برأسها قليلاً احتراماً وتقديراً.. ذهبت
ركبت سيارتها.. وانطلقت بعيداً.. اختفت سيارتها عن الأنظار

تثاوبتُ طويلاً وأطلقت بعدها زفرةً طويلة
!يالسذاجتي

النوم عاد يحايلني
ونشاطي بسبب تلك الفاتنة طار في مهب الريح
..متثاقلاً توجهت بالسيارة إلى منزلي

!لقد نسي كل ما دار في ذهنه من عواصف وتساؤلات.. فقط كان يفكر في النوم

(تمت)


Thursday, July 21, 2005

مسرحية
.
الأقــــــــزام السـتــــة
.


:الشخصيات
الهوى ، العقــل
.
.
.
يفتح الستار
مسرحٌ مظلم
صوت صرير لبابٍ يفتح، ثم يغلق
تزداد الإضاءة تدريجياً وفي نفس الوقت موسيقى خفيفة: قانون، من التراث التركي- عشر ثوانٍ فقط
.
الهوى: كلهم تبعوني
العقــل: أقزامٌ هم من تبعوك
الهوى: رؤساءٌ وقادةٌ ورموز
العقــل: كلهم أقزام
الهوى: متعصبٌ أنت لرأيك
العقــل: بل تقودني الحكمة .. أقزامٌ هم أتباعك أقزام
الهوى: بل عمالقةٌ عظام
العقــل: عمالقة؟ كيف؟
الهوى: يتبعهم ألوفٌ مؤلفة، بل ملايينٌ ملايين
العقــل: لماذا؟
الهوى: منهجهم براقٌ حتى وإن اختلفوا
مهما اختلفوا..........
.
.
تخف الإضاءة قليلاً
طبولٌ تقرع لخمس ثوانٍ
ثم تزداد الإضاءة
.
الهوى: مبادئهم عظيمة.. نعم عظيمة .. العرب الثلاثة مجاهدين، والغربيين الثلاثة ديمقراطيين
العقــل: من أين أتت تلك المبادئ؟
الهوى: الجهاد من صلب الاسلام، والديمقراطية من نهج القوانين الدولية ومن أجل السلام
العقــل: أحب الإسلام وأحتضنه، وأقدر القانون الدولي وأحترمه
.
الهوى: إذن.. أنت تعترف بمبادئهم؟
العقــل: نعم
الهوى: فهم عمالقةٌ إذن؟
العقــل: أقزامٌ من تشدقوا بمنهجٍ ثم خالفوه.. مخدوعٌ من تبعهم
.
الهوى: من خالف منهجه؟
العقــل: العرب الثلاثة تفلسفوا عن الجهاد من نظرتهم الخاصة
من منطلق الغضب وليس الايمان ..........
وذاك مخالفٌ للاسلام ......... .
.يقول الحكيم لقمان أن الغضب طيرةٌ من الشيطان ......... .
أما الثلاثة المتشدقين بالسلام ......... .
فهم خالفوا القوانين الدولية في أكثر من موقع وزمان ......... .
الأقزام الستة تبعوا أهواءهم.. تبعوك.. لذلك هم أقزام ......... .
.
الهوى: ذاك رأيك.. ولي رأيي
العقــل: بل هو صوت الحكمة والايمان
.
الهوى: العرب الثلاثة اتبعوا الاسلام في جهادهم
العقــل: لكل تخصص خبير كالمهندس والطبيب والفنان
من سمح لهم بالفتوى في الجهاد؟ الفتوى تخصص بها المجتهدين المؤمنين..........
هؤلاء خبراء في صناعة الفوضى والدمار..........
.
الهوى: الثلاثة الآخرين متخصصين في مجالهم وخبراء
العقــل: أقزامٌ هم أقزام.. معاييرهم مزدوجة وبذاك انتجوا الدمار
.
الهوى: لا تحاول.. لن أغير رأيي
العقــل: وتقول عني متعصبٌ؟
.
الهوى: لا أريد التحدث في هذا الموضوع
العقــل: طبعاً.. الأهواء في وادٍ والمنطق في واد
.
.
صمتٌ وهدوء لعشر ثوانٍ
..
الهوى: على أي حال.. أردت أن أستشيرك في موضوع
العقــل: تفضل
الهوى: من تظن يفوز في مباراة اليوم؟
الغرب أم الإرهاب؟ القنوات الفضائية ستنقل تلك المباراة اليوم .........
العقــل: لا أدري.. لا أشاهد التلفاز كثيراً
الهوى: ألا تهمك أحاول الناس؟
العقــل: بلى.. ولكن السر في انتصاري هو قضاء جل وقتي في تحقيق أهدافي
.
الهوى: سأذهب للمقهى لمشاهدة المباراة
العقــل: أما أن فذاهبٌ لمكتبي لمواصلة أعمالي
الهوى: أراك غداً
العقــل: إلى اللقاء
.
.
تخف الإضاءة تدريجياً
يسدل الستار